فهذا من الفروق بين الصفتين -بين صفة الاستواء وصفة العلو- أن صفة الاستواء صفة دلت عليها النصوص والنقل ولكن العقل لم يدل على ذلك، بخلاف صفة العلو فإنما دل عليها النقل والعقل والفطرة، وصفة العلو والاستواء تدلان على إثبات العلو، من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، فصفة العلو وصفة الكلام وصفة الرؤية، هذه الصفات الثلاث من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، فمن أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدع.
صفة العلو وصفة الكلام وصفة الرؤية، تجد الجهمية والمعتزلة والأشاعرة لا يثبتون هذه الصفات، الأشاعرة والجهمية والمعتزلة لا يثبتون صفة الاستواء ولا صفة العلو ولا صفة الرؤية ولا صفة الكلام، والأشاعرة يثبتون الرؤية على غير وجهه، أو يثبتون الكلام على غير وجهه، يثبتون الكلام لكن يقولون: إنه معنى نفسي وليس بحاصل على صورته، ويثبتون الرؤية ولكن في غير جهة، فهم لم يثبتوا صفة الرؤية على حقيقتها ولا صفة الكلام على حقيقته، أما العلو فهم ينفونه.
فتبين بهذا أن هذه الصفات من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، ومن الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع العلو والكلام والرؤية، وصفة الاستواء تدل على العلو، تثبت علو الله على خلقه، إلا أن الاستواء على العرش إنما هو علو خاص على العرش، وصفة العلو في قوله -تعالى-: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [1] هذا علو، هذا إثبات صفة العلو على جميع المخلوقات، وأما الاستواء على العرش فهو علو خاص، فعل يفعله -سبحانه- كما يليق بجلاله وعظمته.
وصفة الاستواء على العرش دلت عليها النصوص من كتاب الله وسنة رسوله -.
أما الكتاب العزيز فإن الله أثبت صفة الاستواء في سبعة مواضع، سبعة مواضع في كتاب الله - سردها المؤلف -رحمه الله- وكلها جاءت بلفظ الاستواء، فجاءت بحرف (على) التي تدل على العلو
(1) - سورة الأنعام آية: 18.