الاقتصاد في الاعتقاد
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العربي المكي ثم المدني، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
فإنا نحمد الله -سبحانه وتعالى- ونشكره أن وفقنا لمجالس العلم، وأسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعا مرحوما وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما وأن لا يجعل فينا ولا منا شقيا ولا محروما، وأسأله -سبحانه وتعالى- أن يجعل مجلسنا هذا مجلس علم تحفه الملائكة وتغشاه الرحمة وتتنزل عليه السكينة ويذكره الله فيمن عنده، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - قال: " وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ".
وطلب العلم وحضور مجالس العلم فيه فضل عظيم وأجر كبير، وطلب العلم مع حسن النية وإخلاص النية لا يعدله شيء، فهو من أفضل القربات وأجل الطاعات، والعلم هو وراثة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، والعلماء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، والله -تعالى- بيَّن فضل العلم وأهل العلم والعلماء، وقال -سبحانه- في كتابه العظيم: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (( (} [1] وقال -سبحانه-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [2] وقرن -سبحانه وتعالى- شهادة أهل العلم بشهادته وشهادة ملائكته على أعظم مشهود به، وهي الشهادة لله -سبحانه وتعالى- بالوحدانية، فقال -سبحانه-: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ (( (( (( (( (بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (( (( } [3] .
ومجالس الذكر وطلب العلم أفضل من نوافل العبادة، يعني: أفضل من نوافل الصلاة ونوافل الصيام ونوافل الحج، طلب العلم مقدم على نوافل العبادات، وما ذاك إلا لأن طلب العلم ومجالس العلم فيها يتعلم الإنسان دينه ويتبصر ويتفقه في دينه، يعلم الحلال والحرام، يعلم ما يجب لله -تعالى- وما يصف الله به نفسه من الأسماء والصفات، يعلم حق الله -سبحانه وتعالى- فيعبده على بصيرة.
ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - أن النبي - قال: " من يُرِد الله به خيرا يفقهه في الدين " قال العلماء: هذا الحديث له منطوق وله مفهوم، فمنطوقه أن من فقهه الله في الدين فقد أراد به خيرا، ومفهومه أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيرا ولا حول ولا قوة إلا بالله، فينبغي للمسلم أن يحرص على مجالس العلم وحلقات العلم والدروس العلمية، وأن يكون له نية حسنة يخلص هذه النية لله؛ لأن طلب العلم عبادة من أفضل القربات وأجَلِّ الطاعات.
والعبادة لا بد فيها من شرطين، لا تصح إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن تكون خالصة لله مرادا بها وجه الله والدار الآخرة.
والشرط الثاني: أن تكون موافقة لشرع الله وصوابا على هدي رسول الله -.
(1) - سورة الزمر آية: 9.
(2) - سورة فاطر آية: 28.
(3) - سورة آل عمران آية: 18.