ننطلق في هذا المبحث من دعوَى، نحددها ابتداء، قبل الاستدلال عليها؛ وهي كما يلي:
العمل الإسلامي التجديدي: إنما هو عمل للدين قبل الدولة، وطلب للقرآن قبل السلطان.
وذلك أن الدين ـ كل الدين ـ (صلاة) . أي أن الدين (كلية كبرى) والعنصر المفتاحي لها هو: الصلاة. ومن هنا كانت الصلاة ـ باعتبارها الرمز الأول للتعبد ـ هي مركز المشروع الدعوي الإسلامي. عنها يجب أن تتفرع سائر الأعمال والأقوال.
ونسلك في الاستدلال على ذلك مسلكين اثنين: أحدهما شرعي، والآخر اجتماعي. نعرضهما مندمجين. وتفصيل ذلك هو كالآتي:
وذلك أن العمل السياسي، والإصلاح الدستوري والقانوني ـ كما سبق بيانه ـ ليس أصلا من أصول العمل الدعوي، وإنما هو فرع من فروعه. وليس مقدمة من مقدماته وإنما هو نتيجة من نتائجه! ولا هو عمل مفتاحي في المشروع الإسلامي الشامل، وإنما هو وسيلة تبعية من وسائله. ومن هنا كانت (الدعوة إلى الله) هذا المفهوم الذي صار منتقصا ـ مع الأسف الشديد ـ لدى بعض الإسلاميين الذين اندست (العلمانية) في لاشعورهم؛ هو الجوهر الحقيقي لوظيفة العمل الإسلامي. وهو المفهوم الذي يجب أن يحكم كل اختيار، وكل مشاركة، في السياسة، أو النقابة، أو الثقافة، أو ما شئت بعد! وذلك قول الله عز وجل: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ) (الأنبياء:105 ـ 106) .
فإذا صح ذلك في التصور والممارسة؛ فلا مانع بعده أن تشارك هذه الحركة أو تلك في العمل السياسي، ولكن دائما بصفتها دعوة، لا عملا سياسيا مجردا، كسائر السياسات العارية التي خربت البلاد والعباد! ومشاركتها قد لا تكون بالضرورة بنفسها ودعاتها. هذه حقيقة مهمة جدا،