لكن الذي يترك واجبًا -مثلًا- من واجبات الصلاة، فإنها تجبر بسجود السهو، وكذلك واجبات الإيمان تجبر بالتوبة -كلها تجبر بالتوبة والاستغفار- لكن الحقيقة باقية، فحقيقة الصلاة باقية حتى مع ترك الواجب، وأما الذي ترك الواجبات والمستحبات والنوافل، فقد ترك الكمال فقط.
فتشبيه الصلاة بالإيمان تشبيه من جميع الوجوه، فالصلاة لها باطن ولها ظاهر، فباطنها: النية والخشوع والانقياد والاستسلام لله بهذه العبادة، وظاهرها: ركوع وسجود وقيام، فلو رأيت إنسانًا يركع ويسجد وله حركات ظاهرة مجردة بدون نية، وبدون إخلاص، لكان هذا مجرد حركات بدنية، وليست صلاة، وهذا مثل المنافق وإن حج وصام وزكى وجاهد، فهي حركات ظاهرية بدون إيمان في القلب، وهذا لا يسمى إيمانًا.
وكذلك العكس لو أتيت إلى إنسان وهو جالس، قلت له: قم إنَّ الناس يصلون، فقال: لا. أنا أصلي بقلبي، وهذا كأمثال الذين وصلوا إلى أهل الحلول والاتحاد وأمثالهم، فلا نقبل منه ذلك، فنحن نعلم أن الخشوع أو الجانب القلبي من الصلاة عظيم ومهم، لكن لا يمكن أبدًا أن يكون من دون أن يؤدي الإنسان الأعمال الظاهرة من ركوع وسجود وقيام وقراءة ونحو ذلك، فكذلك الإيمان من قال: الإيمان كامل في قلبي، لكن في حياته الدنيا لا صلاة ولا زكاة ولا عبادة ولا أَمَر بمعروف ولا نهى عن منكر، بل كله خطايا وآثام ومعاصٍ.
فنقول: دعوى الإيمان عنده كذب، كما أن الذي يقول: أنا أصلي وأنا جالس، هذا كذب، وكذلك من أدى هذه الأعمال ولو كثرت بدون عمل القلب الباطن، فهو أيضًا كذب كما كذب المنافقون في دعواهم للإيمان.