الصفحة 18 من 50

لا يكفر الإنسان ولا يحكم بكفره إلا إذا ترك قول القلب الذي ينخرم بفقدان عمل القلب بالكلية، أو بفقدان عمل الجوارح بالكلية؛ لأنه إذا انتفى هذا أو هذا بالكلية انتفت الحقيقة المركبة التي هي الإيمان، والتي يتركب منها هذا الإيمان، وقد أوضح الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذلك في القرآن، وفي المثل الذي ضربه، والذي به نفهم جميعًا الفرق بين مذهب أهل السنة والجماعة وغيرهم في الإيمان، فيقول الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم:24 - 25] والشجرة الطيبة هي: شجرة الإيمان، التي هي شهادة أن لا إله إلا الله، ولو تصورنا نحن الآن هذه الشجرة لعرفنا حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة.

فهو مثلما قلنا: إنه يتركب من روح وجسد، والشجرة تتكون من الجذع ثم الفروع ثم الأوراق والثمرة، وهناك جانب أسفل سطح الأرض وهو الجذور التي تمتد إلى أسفل والتي تتغدى بالماء وتدفع الغذاء إلى الأغصان فتنمو، فإذا كثر الغذاء كثرت هذه الفروع وإذا قلَّ قلَّت، فهذا المثال ينطبق تمامًا على حقيقة الإيمان.

وإذا قارنا ما يقول هؤلاء، وما يقول أولئك، عرفنا أولًا حقيقته، ثم عرفنا ثانيًا أنه هو الحق، فهذه الشجرة إذا قُطع غصن منها، فهو مثل مرتكب الكبيرة، أو مثل من كترك واجبًا من الواجبات غير الأركان الخمسة، ترك -مثلًا- فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو كان من أهل الغيبة أو النميمة، فنقول هذا الإنسان ذهب عنه غصن من هذه الشجرة، لكنه لم يفقد الشجرة بالكلية، ولهذا على قول الخوارج أن مرتكب الكبيرة قد خرج من الدين، كمن يقول: الذي قطع غصنًا من الشجرة، فإن الشجرة لا وجود لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت