الصفحة 21 من 25

القرآن مكون من أحرف الهجاء (أ، ب، ت، ث) وكلام الناس مكون من نفس الأحرف، لكن فصاحة القرآن أعجزة الإنس والجن، على أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، فأنت إذا سمعت خطبة فصيحة، أو قصيدة بليغة، أعجبتك، سرعان ما تصبح هذه الخطبة أو القصيدة بالية في سمعك إذا كررت عليك لأنه ما من كلام بشر إلا وهو يبلى إذا كرر.

ولكن، كم يقرأ المسلمون الفاتحة، والسور القصار؟ وكم يختم الدارس للقرآن كتاب الله، ويعيده، فما أحس قارئ للقرآن أن الفاتحة أو أي سورة قد أصبحت بالية، فعلى أي شيء يدل هذا؟ لا شك أن هذه الظاهرة تشهد لكل عاقل أن القرآن كلام الله، الذي لا يبلى.

ولقد تحدى القرآن من ارتاب في صدقه أن يأتي بسورة من مثله، قال الله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ (1) (24) مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 23، 24) .

ـ إخبار القرآن بالغيب:

الغيب لا يعلمه إلا الله، ولقد أخبر القرآن بغيوب كثيرة، فكان هذا دليلًا على أن القرآن من عند الله، وأن محمدًا الذي بلغ القرآن للناس رسول الله ومن هذه الأخبار الغيبية:

1 ـ عندما انتصر الفرس وهم عباد أوثان على الروم وهم أهل كتاب في فلسطين فرح المشركون في مكة، وتوعدوا المسلمين بمصير كمصير الروم، فساء ذلك المؤمنين فأنزل الله قوله: {الم (1) غُلِبَتْ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم:1 - 6) .

وعندما نزلت هذه الآيات رددها المسلمون، وتهكم بما وعدت به الكافرون، وتصدى كافر لأبي بكر رضي الله عنه يراهنه على أن الفرس، لن تنهزم في المدة التي حددتها الآيات بكلمة (بضع سنين) ، وهي مدة تمتد من ثلاث سنوات، إلى عشر ولا تزيد، فقبل أبو بكر الصديق الرهان قبل تحريم الرهان، وسمح الرسول صلى الله عليه وسلم بمضي الرهان، ووقف الكافرون مع الكافر الذي دخل الرهان، كما وقف المسلمون ينتظرون تحقيق وعد الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع) (2) (25) ، ووضعت النبوة أمام امتحان، فقد جاء الخبر الإلهي بانتصار الروم المهزومين، وليس هناك من الدلائل ما يدل على أنهم ينتصرون، وحدد الموعد بأقل من عشر سنين، وكان الخبر بصيغة لا تقبل التأويل {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 6) ، والكفار جميعًا يعلمون أن محمدًا من أعقل الناس، ولا يمكن أن يورط نفسه في مثل هذا الامتحان، لو لم يكن في غاية الثقة من ربه وتصديقه له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت