عليه إلا القليل من التفصيل, ثم إنه قد يخالف ذلك القليل من التفصيل الذي يبلغه" [1] ."
فالمغيا هو الاستنباط، وأما الحفظ ومعرفة المظان فآلات، فهي وسائل لا غايات؛ إذن فالحفظ لا يغني وحده كما ذكرنا، لأن استخراج الأحكام يحتاج إلى ملكة وزاد من عدة علوم: كاللغة وأصول الفقه والحديث والتفسير وغير ذلك؛ فلا يجوز توخي الأحكام في النصوص بمجرد حفظها أو الاطلاع عليها، بل لا بد من عرضها على كتب الفقه والعلماء المستنبطين كما قال الجصاص رحمه الله تعالى: وإنما شرطنا مع الحفظ للأصول والمعرفة بها: أن يكون عالما بطريق المقاييس والاجتهاد، لأن حفظ الأصول لا يغني في معرفة حكم الحادثة إذا لم يكن صاحبها عالما بكيفية وجوب ردها إلى أصولها، وإلى الأشبه بها.
ألا ترى: أن قراء القرآن، وحفاظ الأخبار لا يغنيهم ما حفظوه في معرفة حكم الحادثة وردها إلى أصولها.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:"نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" [2] .
وتتجلى مناسبة ذكر هذا المبحث في أمرين وهما:
1 -أن جهل الفقيه بمظان و مواطن النصوص، يتسبب في مشاكل على مستوى نقله للأحكام أو استنباطه لها، فقد تعرض له المسألة ويظن أنه ليس فيها نص، في حين أن الواقع وجوده؛ أو أنه يروم العثور على الحديث مثلا في كتب الفقهاء، وهو ضعيف، في حين أنه يغني عنه حديث صحيح كالشمس في الصحيحين؛ أو أنه يجد الحديث الصحيح في محله، لكنه لا يرجع لكتب الفقهاء ليعرف لماذا لم يعملوا به، إذ قد
(1) رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية، ص 18، (السعودية: الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، 1413 ه) .
(2) الفصول في الأصول، للجصاص أبي بكر الرازي، 4/ 273، (الكويت: وزارة الأوقاف) .