الأحاديث ويُسَهِّل عليه حفظها، وهكذا كان حال غالب السلف من الجمع بين الفقه والحديث كما ذكرت آنفا، قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله: {ثم ذكر ابن عبد البر حكايات يطول ذكرها من تلبيس إبليس وغيره، فذكر فيه جهل المحدثين معرفة الأحكام. وقال ابن وهب:"كل صاحب حديث لا يكون له رأس في الفقه لا يفلح أبدا، ولولا أن الله تعالى أنقذنا بمالك لضللنا". وقال بعضهم:"لا أَجْهَلَ من صاحب حديث إن لم يتفقه فيه". وقال مالك رضي الله عنه لابني أخته بكر وإسمعيل:"أراكما تحبان الحديث وتطلبانه قالا نعم قال إن أحببتما أن تنتفعا به وينفع الله بكما فأقلا من الحديث وتفقها". أشار رضي الله عنه إلى أنه لا بد من معرفة الحديث لكن العمدة إنما هي على التفقه فيه} [1] .
لقد اتضح بما يكفي أنه شتان بين راوي الحديث وحافظ الطرق والأسانيد، وبين المتفقه فيه والمستخرج لمعانيه المستنبط لأحكامه، وأنه في كل خير؛ فبالأول حفظ الله الأحاديث حتى وصلت إلينا اليوم بدقة يعجب العقل أمام ناقليها، وما حباهم الله من قوة الحفظ وسلوك الأمانة؛ وبالثاني نستطيع استغلال الأحاديث واستثمارها حتى ويعجب العقل أيضا أمام الفقه والفوائد التي استخرجها علماؤنا منها، قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله:"ولا يعرف معنى هذه إلا الفقهاء، بخلاف من لا يعرف إلا مجرد الحديث، فإنه يضل فيه كما وقع لبعض متقدمي الحديث، بل ومتأخريهم كابن تيمية وأتباعهم، وبهذا يُعْلَم فضل الفقهاء المستنبطين على المحدثين غير المستنبطين ... فمستنبطو الفروع هم خيار سلف الأمة وعلماؤهم وعدولهم وأهل الفقه والمعرفة فيهم، فهم قوم غُذُّوا بالتقوى ورُبُوا بالهدى، أفنوا أعمارهم في استنباطها وتحقيقها، بعد أن ميزوا صحيح الأحاديث من سقيمها، وناسخها من منسوخها، فأصَّلوا أصولها ومهدوا فروعها" [2] .
(1) الفتاوى الحديثية، ص 208، مرجع سابق.
(2) المرجع السابق، ص 207.