بلغ حرص هؤلاء الأئمة الأعلام أنهم كانوا أهل دقة في اختيار الصيغة التي يستعملونها لأداء الحديث، ملاحظين الكيفية عند تحملهم للحديث.
قال الخطيب [1] ـ - رحمه الله - تعالى ـ: (( كان شيخنا أبو بكر البرقاني [2] يقول فيما رواه لنا عن أبي القاسم عبد الله بن إبراهيم الجرجاني المعروف بالأبندوني [3] : سمعت، ولا يقول: حدثنا، ولا أخبرنا، فسألته عن ذلك؟، قال: كان الأبندوني عسرًا في الرواية جدًا، مع ثقته وصلاحه وزهده، وكنت أمضي مع أبي منصور بن الكرجي [4] إليه، فيدخل أبو منصور عليه، وأجلس أنا بحيث لا يراني الأبندوني ولا يعلم بحضوري، فيقرأ هو الحديث على أبي منصور وأنا أسمع، فلهذا أقول فيما أرويه عنه: (( سمعت ) )ولا أقول: (( حدثنا، ولا أخبرنا ) )، فإن قصده كان الرواية لأبي منصور وحده )) .
فهذه الواقعة تدل على أمانة هذا الإمام ودقته في اختيار الصيغة التي تدل على الحالة التي تحمَّل بها الحديث.
ومن أجل ضبط تلقي السنة وضع علماء الحديث طرق أنواع التحمل، وجعلوها ثمانية
(1) الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الإمام العلامة الحافظ، ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاث مائة، سمع وهو ابن إحدى عشرة سنة، كتب الكثير، وتقدم في هذا الشأن، توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة، سير أعلام النبلاء (18/ 270) .
(2) الإمام العلامة أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي، ثم البرقاني، الشافعي، قال الخطيب: كان البرقاني ثقة ورعا ثبتا فهما، ولد سنة ست وثلاثين وثلاث مائة، مات سنة خمس وعشرين وأربع مائة، سير أعلام النبلاء (17/ 464) .
(3) عبد الله بن إبراهيم بن يوسف، أبو القاسم الْجُرْجَاني الآبنْدُوني الإمام، الحافظ، القدوة، الرباني، وآبنْدُون: من قُرى جُرّجان، قال الخطيب: (( كان ثقةً ثَبْتًا، له تصانيف ) )، مات سنة ثمان وستين وثلاث مائة، سير أعلام النبلاء (16/ 261) .
(4) إِبْرَاهِيم بْن الْحُسَيْن بْن حمكان، أبو منصور ابن الكَرَجيِّ البغدادي، قَالَ البَرْقَاني: لم أر مثله، صُحْبَته نَحْوًا من عشرين سنة، أدام فيها الصيام، وكان يُصلِّي أربع ركعات بسُبع القرآن كل ليلة وقت العتمة، توفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، تاريخ الإسلام (8/ 673) .