مثل هذه الليبرالية قد أجتنبت إلى نفسها أنصارا عديدين وأقوياء لها من بين المسلمين على مدى القرن ونصف القرن الأخيرين. والواقع أن أحد أسباب الصحوة الأصولية الراهنة هو قوة الخطر الملموس من جانب القيم الغربية الليبرالية على المجتمعات الإسلامية التقليدية.
ونواجه نحن الذين نعيش في ظل ديموقراطيات ليبرالية مستقرة ذات تاريخ طويل، وضعا غير عادي. ففي زمن أجدادنا، كان بوسع الكثيرين من المتعقلين أن يتنبأوا بمستقبل اشتراکي زاهر، تلغي فيه الملكية الخاصة والرأسمالية، وتنتهي فيه السياسة نفسها على نحو ما. أما اليوم فنحن على العكس منهم نجد صعوبة في تخيل عالم أفضل بكثير من عالمنا، أو نخيل مستقبل ليس ديموقراطيا ورأسماليا في أساسه. صحيح أنه بالوسع داخل هذا الإطار أن نجري تحسينات عديدة: کتوفير المأوى لمن لا مأوى لهم، وضمان الفرص للأقليات والنساء، والارتقاء بروح التنافس، وخلق وظائف جديدة، ويمكننا أيضا أن نتخيل مستقبلا للعالم هو أسوأ بكثير من وضع العالم الآن، يعود فيه التعصب القومي أو العرفي أو الديني، أو تعم فيه الحروب أو تنهار الأحوال البيئية. غير أنه ليس بوسعنا أن نتخيل عالما هو في جوهره مختلف عن العالم الراهن و أفضل حالا في نفس الوقت. صحيح أن عصورا أخرى، هي دوننا من حيث الفكر، ظنت نفسها أنها هي ايضا أزهى العصور. غير أننا إنما نصل الى هذه النتيجة بعد أن جربنا لأمد طويل بدائل كنا نحسب أنها بالضرورة خير من الديموقراطية الليبرالية (10) .
وتدعونا هذه الحقيقة الواقعة، وكذا سعة انتشار الثورة الليبرالية العالمية الراهنة إلى إثارة السؤال التالي: هل نحن نشهد مجرد نمو وقتى لفرص الديموقراطية الليبرالية، أم أن ثمة نمطا ما (أطول أمدا) للتنمية، يحدث تأثيره، وسيقود كافة الدول في نهاية المطاف صوب الديموقراطية الليبرالية؟
من المحتمل طبعا أن يكون الاتجاه الراهن صوب الديموقراطية ظاهرة دورية. ولسنا في حاجة الأكثر من إلقاء نظرة على أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات حين كانت الولايات المتحدة تمر بأزمة ثقة في نفسها نتيجة تورطها في حرب فيتنام وفضيحة ووترجيت. وقد وقع الغرب في مجموعه في أزمة اقتصادية من جراء الحظر الذي فرضته الأوبيك على تصدير النفط، كذلك أطيع بمعظم الديموقراطيات في أمريكا اللاتينية في سلسلة من الانقلابات العسكرية، وكانت الأنظمة غير الديموقراطية أو المعادية للديموقراطية تبدو منتعشة في مختلف بقاع العالم، من الاتحاد السوفييتي وكوبا وفييتنام، إلى المملكة العربية السعودية وإيران وجنوب أفريقيا. فأي سبب إذن يدعونا إلى أن نتوقع ألا يتكرر الوضع الذي ساد في السبعينيات، أو أن يحدث ما هو أسوأ ويتكرر الوضع الذي ساد في الثلاثينيات حين احتدم صراع الأيديولوجيات المعادية في شراسة للديموقراطية؟
ألا يمكن أيضا أن نذهب إلى أن الأزمة الراهنة للنظم الاستبدادية هي دورة أو تلاق نادر الحدوث الكواكب سياسية لن يتكرر على مدى المائة سنة القادمة؟ ذلك أن أية دراسة متأنية للسبل المختلفة التي سلكها الانتقال عن الاستبداد في السبعينيات والثمانينيات ستكشف عن سيل من الدروس الخاصة بالطبيعة العارضة لهذه الأحداث، وكلما زادت معرفتنا بدولة معينة، زاد إدراكنا لفوضى الأحوال