الصفحة 26 من 298

من تقنيات المعلومات الزهيدة الثمن، من أجهزة التلفاز والمذياع إلى أجهزة الفاكس والبريد الإلكتروني) ليسا منفصلين. فقد اعتمد الحكم الشمولي على قدرة النظام على الإبقاء على احتكاره للمعلومات، ومن ثم بمجرد أن جعلت تقنيات المعلومات الحديثة من ذلك أمرا مستحي"، تقوضت سلطة النظام."

أما التكهن السياسي للمدينة غير الفاضلة الكبرى الأخرى، وهي رواية عالم شجاع جديد، فلم يحدث بعد، وقد تحقق الكثير من التقنيات التي تخيلها هكسلي أو أوشكت على الحدوث، مثل الإخصاب في المختبر، والأمومة البديلة، والأدوية النفسائية، واستخدام في تصنيع الأطفال. لكن هذه الثورة لا تزال بعد في مهدها؛ فالسيل اليومي من الإعلانات التي تتحدث عن التطورات الجديدة في مجال التقنية الحيوية، والإنجازات التي تحققت مثل إكمال مشروع الجينوم البشري في العام (2008، إنما ينذر بوقوع تغيرات أكثر خطورة في المستقبل.

ومن بين الكوابيس التي أثارها هذان الكتابان، أعجبني دائما كتاب عالم شجاع جديد لكونه الأكثر حنكة وتحديا. فمن السهل أن نعرف مواضع الخطأ في كتاب 1984 بطل الرواية، وينستون سميث، معروف ببغضه الشديد للجرذان، لذلك يخترع الأخ الأكبر قفص يمكن أن تقوم فيه الجرذان بعض وجه سميث من أجل إجباره على خيانة حبيبته، هذا هو عالم الطغيان الكلاسيكي الذي - برغم كونه مسلحة بالتقنية - لا يختلف كثيرا عما فجعنا برؤيته ومعرفته في التاريخ البشري

أما في كتاب عالم شجاع جديد، وعلى العكس من ذلك، فالشر ليس بمثل هذا الوضوح لأن أحدا لا يصاب بأذى؛ فالواقع أن هذا عالم يحصل فيه كل إنسان على ما يريد، وكما يقول أحد شخوص الرواية: «أدرك المتحكمون أن العنف لا يجدي» ، وأنه ينبغي إغراء الناس وليس إجبارهم على العيش في مجتمع منظم. وفي هذا العالم المحي المرض والصراعات الاجتماعية؛ فلم يعد هناك اكتئاب، أو جنون، أو شعور بالوحدة، أو ضوائق عاطفية. والجنس أمر جيد ومتاح بسهولة، حتى إن هناك وزارة حكومية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت