الصفحة 186 من 298

اللازمة لإعاشة أنفسهم وعائلاتهم. العائلة والعمل كلاهما يوقع بالأفراد في شرك شبكة من الالتزامات الاجتماعية التي كثيرا ما لا يكون لهم عليها سوى قدر قليل من التحكم، والتي تمثل مصدرة للصراع والقلق، ولكنها تمثل أيضا مصدر رضاء هائل. ويمثل تعلم تلبية هذه الالتزامات الاجتماعية مصدرا لكل من الأخلاقيات والشخصية وعلى العكس من ذلك، فستكون علاقات أفراد الفئتين الأولى والثانية بالعائلة وبالعمل أكثر وهنا بكثير؛ فسيكونون قد تخطوا سنوات الإنجاب، وتنحصر روابطهم الأساسية في الأسلاف والذرية. وقد يختار بعض أفراد الفئة الأولى أن يعملوا، ولكن الالتزام بالعمل، وتلك الروابط الاجتماعية الإلزامية التي تنشأ عن العمل، سيتم استبدالها بصورة كبيرة بحشد من الوظائف الاختبارية. أما أفراد الفئة الثانية فلن يتناسلوا ولن يعملوا، والحق أنهم سيرون تدفق الموارد والالتزامات يتحرك في اتجاه واحد: نحوهم

ولا يعني هذا أن الناس في أي من الفئتين سيصبحون فجأة غير مسؤولين أو غير مفيدين، لكنه يعني - على أية حال أنهم قد يجدون حياتهم أكثر خواء ووحدة، إذ إن هذه الروابط الاجتماعية الإلزامية هي بالتحديد ما يجعل الحياة تستحق أن تحيا بالنسبة إلى كثير من الناس. وإذا اعتبر التقاعد مدة وجيزة من الفراغ بعد حياة من العمل الجاد والكفاح، فقد يبدو مكافأة مستحقة تماما؛ ولكن إذا أمتدت هذه الفترة لعشرين أو ثلاثين عاما دون أن تظهر لها نهاية فقد تبدو، ببساطة، غير ذات مغزى، ومن الصعب تصور کيف سبعايش أفراد الفئة الثانية فترة مطولة من الاعتماد على الآخرين أو الوهن، ويرونها مبهجة أو مرضية

وكذلك ستتغير علاقة الناس بالموت؛ فقد ينظر إلى الموت على أنه وجه طبيعي ومتم للحياة، ولكنه شر يمكن منعه مثل شلل الأطفال أو الحصبة. وإذا كان الأمر كذلك، فسيبدو تقبل الموت خيارة أحمق، لا أمر يجابه بكرامة أو نبالة. هل سيظل الناس مستعدين للتضحية بأرواحهم في سبيل الآخرين إذا صار ممكن أن تمتد حياتهم بصورة غير محدودة، أم أنهم سيتغاضون عن التضحية بحياة الآخرين؟ وهل سيتشبثون بائسين بالحياة التي تقدمها التقنية الحيوية، أم أن تصور حياة خاوية لا نهاية لها سيبدو بساطة أمرا لا يحتمل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت