هناك سيناريو آخر، ربما كان أقرب احتمالا، يتضمن اتصال هذين العالمين بشكل مباشر؛ ألا وهو الهجرة، ونفترض التقديرات التي ذكرتها أعلاه عن تناقص أعداد السكان في أوربا واليابان عدم حدوث زيادة كبيرة في صافي معدلات الهجرة. وعلى أية حال، فهذا أمر مستبعد، لأن الدول المتقدمة ستحتاج ببساطة إلى النمو الاقتصادي، وإلى المجموعات السكانية التي تحفظ استدامته. ويعني هذا أن التقسيم إلى شمال وجنوب سينکرر داخل كل دولة، إذ سيعيش فيها السكان المحليون بأعمارهم المتقدمة
جنبا إلى جنب مع سكان مهاجرين مختلفي الثقافة و أكثر شباب بكثير، كانت الولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها من الدول الناطقة بالإنجليزية، معروفة تقليدية بحسن استيعابها لجماعات المهاجرين المتبايني الثقافات؛ لكن دولا أخرى، مثل ألمانيا واليابان، لم تكن كذلك، وقد شهدت أوربا بالفعل ظهور الحركات العدائية المضادة للمهاجرين، مثل الجبهة القومية في فرنسا، وتكتل فلامس في بلجيكا، وعصبة لومباردا في إيطاليا، وحزب الحرية بزعامة بورج هايدر Jorg Haider) في النمسا، وبالنسبة إلى هذه الدول، فإن التغيرات الحادثة في البنية العمرية لسكانها، بدعمها الطول المتزايد في الأعمار، تمهد السبيل إلى صراع اجتماعي متنام.
ستكون لإطالة العمر بالتقنية الحيوية تأثيرات در امانيكية في البني الداخلية للمجتمعات أيضا، وأهمها ما يتعلق بادارة التسلسلات الهرمية الاجتماعية. البشر بطبيعتهم حيوانات مدركة لوضعها الاجتماعي، وتنزع في سن مبكرة - كأبناء عمومتها من الرئيسيات- إلى تنظيم نفسها في تشكيلة مذهلة من التسلسلات الهرمية للسيادة وسلوكها الهرمي هذا سلوك فطري، وقد تمكنت بسهولة من التعايش مع الأيديولوجيات الحديثة كالديمقراطية والاشتراكية التي تزعم بأنها مبنية على المساواة. يكفينا أن ننظر إلى صور أعضاء المكتب السياسي للاتحاد السوفيتي السابق والصين حيث تصطف القيادات العليا في ترتيب دقيق للسيادة). وقد تغيرت طبيعة هذه المسلسلات الهرمية نتيجة للتطور الثقافي من تلك التقليدية التي تقوم على السطوة الجسدية، أو الوضع الاجتماعي الموروث، إلى التسلسلات الهرمية الحديثة التي ترتكز على القدرات المعرفية أو التعليم. لكن تبقى طبيعتها الهرمية على حالها.