بالإحياء فمن أحياها ملكها سواء كان ذلك بإذن الإمام أو لا. اهـ بنصه.
ثم عاد هذا التيار في الآونة الأخيرة حتى أصبح اليوم يشكل تيارا له رموزه وقياداته.
وإذا كان السلف رحمهم الله قد سموا الفقهاء الذين أخرجوا الأعمال من الإيمان سموهم مرجئة الفقهاء، فهؤلاء وافقوا الإمامية في هذا الأصل بربط الأمور بالإمام , ولذا يسمون اليوم إمامية الفقهاء أو الإمامية المتفقه (وأو هنا للتنويع) . أو الإمامية الجدد أو الإمامية المعاصرة أو الحكامية المعاصرة (وأو هنا ليست للتنويع) .
وليس معنى ذلك أنهم يُلحقون بالامامية في الأحكام والتكفير فلا، ولكن قلنا ذلك فيهم تشبها بطريقة بعض السلف الذين يسمون من وافق أهل البدع في أصل من أصولهم، أنهم يسمونهم باسمهم وإن لم يُلحقوهم بهم في الأحكام، كما سموا من قال لفظي بالقرآن مخلوق أمثال الكرابيسي سموهم جهمية، وأحيانا السلف كابن تيمية وغيره يسمون الاشاعرة أحيانا بالجهمية أو الحلولية، والعلماء في زمن أحمد كانوا يسمون المعتزلة بالجهمية، وهكذا فالأسماء غير الأحكام.
قال القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} .00 قال وفيه رد على الروافض الذين يقولون يجب قبول قول الإمام دون إبانة مستند شرعي. اهـ فانظر إلى هذا الكلام ثم اعرضه على كلام هؤلاء ترى التشابه في هذه المسألة.
وإذا كان المعطلة من جهمية ومعتزلة وأشعرية وغيرهم قد أولوا آيات وأحاديث الصفات وحرفوها إلى أصولهم الباطلة، فإن هؤلاء أولوا وحرفوا الآيات والأحاديث المتعلقة بالجهاد والقيام بالشعائر الظاهرة والحقوق والواجبات الشرعية وخصوها بالحكام مع تعطيل الحكام لها. قال ابن تيمية في الفتاوى 28/ 508 عن الأمراء: بل يطيعهم في طاعة الله ولا يطيعهم في معصية الله إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديما وحديثا وهي واجبة على كل مكلف وهي متوسطة بين طريق الحرورية ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا وأن لم يكونوا أبرارا. اهـ. واليوم مذهب الإمامية المعاصرة قائم على أنهم يوجبون على الإنسان اتباع المذهب الفقهي السياسي المناسب للحكام أو المذهب الوطني أو الإقليمي أو الدولي أو العالمي , وهو جزء من توجه المنهزمين والمتخاذلين لا كثرهم الله، وجزء من توجه المرجئة المعاصرة المصانعين للحكام.
وتصدى لهم في الوقت الحاضر شيخنا العلامة حمود بن عقلاء الشعيبي رحمه الله في ثلاث فتاوى هي: فتوى في وجوب الجهاد وفرضيته وفتوى في القنوت للنوازل وفتوى في شروط الإفتاء وذكر في هذه الأمور الثلاثة أنها لا تربط بإذن الإمام إذا وجبت ولزم البيان وكان قبل وفاته رحمه الله أعد مسودة بيان للكلام عن هذا التيار الجديد وهو تيار الإمامية المعاصرة , لكن وافته المنية قبل أن يخرج ذلك رسميا رحمه الله رحمة واسعة. وهذه الرسالة تحتوي على كثير من تقريراته في مسودة بحثه.
وإذا كان العلماء حرموا بالإجماع اتباع عالم معين بعينه يأخذ بكل قوله ويحرم مخالفته , لأنه أنزله منزلة الرسول ومنزلة المعصوم؟ فكيف يوجبون متابعة الحكام في كل ما يقولون ويحرمون مخالفتهم مطلقا مع أن الكلام في العالم العارف بالكتاب والسنة فكيف بالحكام الجهلة في الأحكام الشرعية , هل يستوون؟! وهذا مخالف للإجماع. قال ابن القيم رحمه الله إن العالم قد يزل ولا بد إذ ليس بمعصوم فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل منزلة المعصوم فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض وحرموه وذموا أهله. اهـ إعلام الموقعين 173.
فانظر إلى حكاية الإجماع وهو في العلماء فكيف بالحكام الجهلة بالشرعية. وقال ابن القيم رحمه الله (إذا عرف أن العالم زل لم يجز له أن يتبعه باتفاق المسلمين فإنه اتباع للخطأ على عمد اهـ إعلام الموقعين صـ173ـ , ونحن نقول إذا عرف أن الحاكم زل لم يجز له أن يتبعه باتفاق المسلمين فإنه اتباع للخطأ على عمد.
وهذا في العلماء فكيف يوجبون على من عرف خطأ الحكام أن يتبعه؟ قال ابن مسعود رضي الله عنه: لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر. اهـ , وهؤلاء يريدون منك أن تتبع سياسة الحكام إن رضي فعليك أن ترضى إن شجب فعليك أن تشجب وإن أنكر فعليك أن تنكر , وإن قام بحملة ضد المجاهدين فعليك أن تساعده في هذه الحملة، وأقل شيء أن تسكت عن بيان الحق، وإلا فأنت خارجي وتكفيري وصاحب فتنة ومستعجل ومتحمس وإرهابي، وأشد من ذلك من جارى الحكام يُلبّس على الناس كما فعل علماء بني إسرائيل {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} .00.
والأحكام الشرعية والشعائر الظاهرة التي ربطت بالإذن السياسي هي:
1ـ الجهاد: حيث قالوا لا جهاد دفع ولا يرد العدوان ولا ترد الأراضي المغتصبة ويدفع الصائل الذي صال على بلاد المسلمين وأفسد الدين والدنيا إلا بإذن إمام (خلافًا لإجماع السلف والخلف الذين قالوا بدفع الصائل بلا هذا الشرط) .
2 ـ القنوت للنوازل: حيث قالوا لا يقنت للنوازل إلا بأمر تراعى فيه السياسة الدولية (خلافًا لسنة المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) .
3 ـ الإفتاء: حيث قالوا لا يتصدر للإفتاء إلا صاحب منصب، ويمنع من لا يملك منصبًا من الإفتاء ولو كان عالمًا، ولا بد من الجماعية في صحة الفتوى ومشروعيتها والعمل بها
4 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: حيث قالوا لا ينكر من رأى المنكر ولو كان مؤهلا ولا بلسانه إلا من كان موظفًا (خلافًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم) .
5 ـ الوعظ والنصح والإرشاد: حيث قالوا لا يعظ ويرشد ولو كان مؤهلا إلا من صرح له بالوعظ والإرشاد، وأيضًا في إطارات وضوابط محدودة لما يقال وما يترك، (خلافًا لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لأهل العلم) .
6ـ قول الحق والصدع به: حيث قالوا لا صدع بما أمر الله به إلا أن يوافق السياسة المحلية أو الدولية.
7 ـ التعليم الديني: حيث قالوا لا يشرع فتح المدارس الدينية إلا وفق نظام التعاليم الخاضع لأنظمة منظمة اليونسكو للثقافة التابعة للأمم المتحدة، وكل تعليم لا يخضع لهذه الأنظمة فإنه ممنوع، وإن وجد فلا مستقبل لخريجيه.
8 ـ الدروس العلمية الشريعة الصحيحة في المساجد: حيث قالوا لا يجوز إلقاء الدروس في المساجد إلا لمن أذن له بذلك تحت ضوابط ما أنزل الله بها من سلطان (خلافًا لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم) .
9 ـ تأليف الكتب الإسلامية التي في معنى الجهاد مثل كتب الردود والإفتاء: حيث وضعوا شروطًا لفسح التأليف لا يستند كثير منها على أي دليل لا من الكتاب ولا من السنة.
وأشد من ذلك: