عدد الأسئلة (1)
س 162/ 1 استفسار من أمر مهم ويجب عليكم بيان الحق فيه
فضيلة الشيخ علي الخضير حفظه الله: نحن مجموعة من طلبة العلم من بلدان شتى من العراق وتونس وفلسطين واليمن حصل بيننا نقاش حار في مسالة إذا أمر الحاكم بأمر فبعضهم يقول يحرم مخالفته ويوجب اتباع مذهب الحاكم، وبعضهم يقول بل يجب اتباع الدليل وينسبون إليكم قولا في هذه المسالة وهم من طلابكم، ولقد طال النقاش بيننا وخشينا من الفرقة والتباغض. واتفقنا أن نرفع إليكم الأمر ولذا فإننا نسألك بالله أيها الشيخ أن تبين الحق في هذه المسالة، واتق الله في كتمان هذا الأمر؟ كما انهم ذكروا عن الشيخ حمود العقلاء رحمه الله انه لا يرى التقيد بفتوى الحاكم وقد أفتى بوجوب الجهاد والقنوات بدون إذن الحاكم؟
ج - ما دام أنك سألتنا بالله وحذرتنا من الكتمان ونظرا لحاجتكم ودفعا للشقاق بينكم ثم بيانا وتوضيحا لغيركم وإبراء للذمة فإننا نجيب إن شاء الله على هذا السؤال وهو رأينا ورأي شيخنا العلامة حمود بن عقلاء الشعيبي رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته بل المسألة إجماعية كما سوف ترى من نقول الإجماع عن ابن تيمية وغيره في أنه لا يجوز إلزام الناس بمذهب الحاكم المخالف للأدلة فنقول وبالله التوفيق: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين , وبعد:
قبل الإجابة على هذا السؤال يحسن بنا أن نذكر مقدمة تبين مقصودنا في هذه الرسالة، ثم نعرف السرد التاريخي والواقعي في هذه المسألة ثم نعرج على الإجابة.
المقدمة:
وإجابتنا هنا المقصود منها الرد على طائفتين:
1 ـ على من أوجب اتباع مذهب الحكام المخالف للنصوص الصريحة، وعاقب على ذلك وسجن ومنع من الإفتاء والتعليم ونشر الخير ونحوه لمن خالف مذهب الحاكم.
2 ـ وأيضا الرد على الغلاة في الحكام الذين يوجبون اتباع أهواء الحكام، لأن الحاكم إذا اختار شيئا لأنه يُوافق هواه فهذا لا يجوز أصلا ولو وافق الحق، كالذي يفسر القرآن أو يفتى عن جهل ثم يوافق الحق في تفسيره أو فُتياه فإنه آثم وضال ومنحرف وعلى غير سبيل المؤمنين، وإن وافق الحق. ومن الغلاة جماعة أيضا تُوجب اتباع الحكام المعطلة للجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدع بالحق والقيام بهذا الدين وأمثال ذلك فيوجبون اتباعهم على هذا التعطيل.
وسوف نزيدكم فائدة في تضمين ردنا هذا إن شاء الله الرد على العصرانيين والانهزاميين، لأنهم التقوا مع الحكام في اتباع الهوى في الأخذ بالأحكام الشرعية.
ومن أهدافنا في هذه الرسالة أيضا أن نشرح ونبين حتمية ربط الأمور بالكتاب والسنة فما وافقها فهو المقبول وما خالفها فيرد ولو كان قول العالم أو الحاكم.
العرض التاريخي والواقعي لهذا التيار
وفيه ذكر الناحية الشرعية و الناحية الواقعية
نحن اليوم أمام تيار جديد وهو ربط الأحكام والحقوق الشرعية وشعائر الدين الظاهرة بالحكام وبالإمام في الوقت الذي لهؤلاء الأئمة والحكام توجهات تخالف الشريعة فيؤدي إلى تعطيل هذه الشعائر أو جعلها أداة للسياسة فبدل أن تكون السياسة تابعة للدين أصبح العكس حتى قال بعضهم الدين يخدم السياسة.
فإن أول ظهور هذا التيار في عصر الأمويين عند بعض رعايا بني أمية وعند الرافضة، ولذا أنكر ابن تيمية رحمه الله (كما في منهاج السنة النبوية 3/ 487) على طائفة من أهل الشام كانوا يرون الطاعة المطلقة للإمام فذكر أنه موجود في بعض رعايا بني أمية الذين كانوا يوجبون طاعة أئمتهم طاعة مطلقا ويقولون إن ذلك يوجب النجاة، وكانوا يعتقدون أن طاعة الأئمة واجبة في كل شيء وأن الإمام لا يؤاخذه الله بذنب وأنه لا ذنب لهم فيما أطاعوا فيه الإمام اهـ (بتصرف قليل غير مخل) ورد أيضا على الرافضة ذكر ذلك في رده على الرافضة الذين يرون لأئمتهم الطاعة المطلقة، وذكر أن كلا الطائفتين مخطئ وأن خطأ الرافضة أعظم.
ووجد هذا التيار وهذا التوجه أيضا في عصر ابن تيمية رحمه الله فقاومه وسجن من أجل مقاومته عدة مرات وكانوا يريدون منه أن يخضع لمذهب الحكام المخالف للشريعة سواء أكان الحكام علماء ضلال أو أمراء ضلال , وقد ألف فيهم ثلاث رسائل سوف ننقلها باختصار كما في الفتاوى، وفي الفتاوى الكبرى، فبعد تأليفه لرسالة العقيدة الواسطية عاقبوه عليها بالسجن والطرد، وألف رسالة أخرى لما سجنوه على فتياه في منع السفر لمجرد زيارة القبور، ورسالة لما منعوه أن يفتى في مسائل الأسماء والصفات لله تعالى، سوف ننقلها إن شاء الله بنصها مع اختصار قليل.
وقاومهم بعده تلميذه ابن القيم، وكل من عظم الأدلة ورأى وجوب الانقياد لها وحدها.
ثم عادوا للظهور بشكل فردي في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لما قام لله يقيم الحدود والشعائر الظاهرة، أنكر عليه بعض العلماء المعاصرين له وقالوا له لا يجوز فعلك لأنه لم يأذن لك الإمام فرد عليهم وقال في كتاب تاريخ نجد ص454: ولا يعرف أن أحدا من العلماء ذكر أن شيئا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم ... ثم قال كما أني لمّا أمرت برجم الزانية قالوا لا بد من إذن الإمام، فإن صح كلامهم لم يصح ولايتهم القضاء ولا الإمامة ولا غيرها. اهـ , ورد عليهم أيضا في عموم قنوت النوازل في كتاب التوحيد في مسائل باب {أيشركون ما لا يخلق} .00 في المسألة الثامنة والثالثة.
ثم ظهر في عصر الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله حيث قال ابن نبهان لا جهاد إلا بالإمام فرد عليه عبد الرحمن بن حسن وقال في الدرر السنية 8/ 199: بأي كتاب أم بأي حجة أن الجهاد لا يجب إلا مع إمام متبع؟! هذا من الفرية في الدين والعدول عن سبيل المؤمنين والأدلة على إبطال هذا القول أشهر من أن تذكر من ذلك عموم الجهاد والترغيب فيه والوعيد في تركه ثم ذكر الآيات في ذلك إلى أن ذكر قصة أبي بصير ثم قال إن أبا بصير استقل بالحرب دون رسول الله (أي أن أبا بصير قاتل من دون إذن الإمام) .
ثم تصدى لذلك الشيخ عبد الله أبابطين رحمه الله لما جاء مَن ربط إقامة الحجة بالإمام أو نائبه ولذا قال في الدرر السنية 10/ 394 (وقولك حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية من إمام أو نائبه معناه: أن الحجة الإسلامية لا تقبل إلا من إمام أو نائبه وهذا خطأ فاحش لم يقل به أحد من العلماء ... ) اهـ. وهو مذهب الشيخ محمد بن إبراهيم في مسألة إحياء الموات المنفكة من الاختصاص أو ملك معصوم ولم تدل القرائن على النزاع والشقاق فيها، فقد أنكر الشيخ الاستئذان فيها وأنكر أن يكون من حقوق الإمام الإذن فيها بل إذن الرسول صلى الله عليه وسلم كاف شاف في ذلك (فتاويه 8/ 207,201,196) وقال: نحيطكم علما أن الأرض الموات لا تملك إلا