الوجه الثامن: لو سلمنا جدلا أن مذهب السلف المتأخرين استقر على عدم تبديع هذا القول إذا اقترن معه قصد صحيح= فهذا ينقض فكرة الكتاب التي شُيّد من أجلها= وأن السلف المتأخرين انعتقوا من ربقة (الجيل الرابع) ولو في بعض المسائل!.
وبالجملة: فإن إيراد المؤلفين لهذا المثال لا يلبي ما يرميان إليه؛ فهو ليس مجمعا عليه، وكل منصف يعلم أن الحق مع أحمد وجمهور السلف، وقول المنازعين ضعيف جدًا، ولم يستقر عليه مذهب المعاصرين كما زعما، وهو من جملة النزاعات اللفظية، منها ما يتساهل فيه، ومنها ما يغلظ فيه، ولو كان المؤلفان حصيفين وحاذقين= لأورد مسألة أخرى تحقق شيئا من مرادهما، وأحمد وغيره من الأئمة لم يخطئوا في أبواب الاعتقاد في الجملة، ومن زلة به قدمه في شيء من ذلك بُين له ذلك ورُد عليه، أما الغلط في الاستدلال المعين، فهذا يحصل، ولا يلزم منه الغلط في النتيجة ولا الأدلة الأخرى، فمثلًا لم يختلف السلف في أن القرآن غير مخلوق، للأدلة الكثيرة على ذلك، وقد حصل بينهم نزاع لفظي في وصف القرآن بالمحدث على قولين:
القول الأول: ذهب وكيع وأحمد بن حنبل وغيرهما إلى أن القرآن لا يوصف بالمحدث [1] .
وظن الأشعري وأتباعه كالباقلاني وغيره أن مذهب أحمد أن كلام الله نفسي قديم؛ لأنه ليس محدث، فوافقوا أحمد في لفظه أنه ليس محدث، وخالفوه في قصده؛ إذ أحمد في مواضع يقرر أن الله لم يزل متكلما إذا شاء كما سيأتي إن شاء الله.
(1) السنة لعبد الله بن أحمد (1/ 115)