احتوى على الزندقة. وقال البربهاري أيضًا: من جحد أو شكَّ في حرف من القرآن أو في شيء جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقي الله مكذبًا. انتهى المقصود من كلام البربهاري. ويدل لما صرح به من القول بتكفير من رد شيئًا من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قول الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [1] , فأقسم تبارك وتعالى بنفسه الكريمة المقدسة على نفي الإيمان عمن لم يحكِّم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويرضَ بحكمه ويقابله بالقبول والتسليم. وقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [2] , وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [3] . قال الإمام أحمد في الكلام على هذه الآية: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. والآيات في الأمر بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والنهي عن مخالفته كثيرة جدًا.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) , رواه مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وفيه دليل لمن ذهب إلى تكفير من رد شيئًا من الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه قد ترك شرطًا من الشروط في عصمة الدم والمال وهو الإيمان بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وأيضًا فإنه لا بدَّ في صحة الإسلام من تحقيق الشهادة بأن محمدًا رسول الله, ومن تحقيقها تصديق الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومقابلتها بالقبول والتسليم والبُعدُ عن معارضتها بالعقول والآراء, ومن رد شيئًا من الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصرح برفضها فلا شك أنه لم يحقق الشهادة بأن محمدًا رسول الله ومن لم يحققها فليس بمعصوم الدم والمال.
ولنرجع إلى ذكر قصص المؤذين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمناوئين له وما أصيبوا به من النكال في الدنيا مع ما هو مُعَدٌّ لهم من العذاب الأليم المقيم في الدار الآخرة. فمن ذلك قصة إلقاء السّلا على ظهره - صلى الله عليه وسلم - وهو ساجد. قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي
(1) سورة النساء, الآية: 65.
(2) سورة النساء, الآية: 115.
(3) سورة النور, الآية: 63.