الصفحة 25 من 48

طلبٍ دنيويٍّ، فهناك ستة أيامٍ أخرى لذلك، ويكون الإبتغاء من فضل الله تعالى مُتجليًا في صورٍ طيبةٍ من العمل الصالح كعيادة مريضٍ وشهود جنازةٍ وتعلم علمٍ وزيارةٍ بين الأقارب والأرحام بقصد تحصيل الأجور، وذلك من جنس قول الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [1] ، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا} [2] .

فالفضل في الآيتين إنما هو العلم، فلا بأس أن يكون الفضل المبتغى بعد أداء صلاة الجمعة وإكمال لما نقص من تحصيله من أجورٍ ساعة الصلاة كتلاوة قرآنٍ وأوراد ذكرٍ ومجالس علمٍ وغير ذلك.

وثمة لفتةٍ قرآنيّةٍ آمرة لكل مسلمٍ في النصف الثاني من كل يوم جمعةٍ لا بمجرد الذكر ولكن بالإكثار منه: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [3] .

فما هو حظ الغافلين والسُّكارى في هذه الدنيا الفانية من كثرة الذكر؟ وهل هم يذكرون الله تعالى بعد الجمعة قليلًا حتى يفقهوا أمر الله تعالى بالإكثار من ذكره؟ إنه ابتلاءٌ يكاد يكون عامًا قد سقط فيه كثيرٌ من المسلمين الذين ألهتهم دنياهم عن ذكر ربهم، لأن المسلمين الآن - في مشهدهم العام - إلا من رحم الله إما عاكفون في أعمالهم ومهنهم ومستغرقون فيها حتى الآذان يوم الجمعة قبل الصلاة وبعدها، وإما إنهم يَغُطُّوُنَ في أثواب التمطي والتثاؤب حتى صلاة الجمعة ثم يذهبون إلى المساجد للصلاة في جهودٍ نمطيةٍ مُعتادة ومن بعدها اغتيالٌ دؤوبٌ للوقت - الذي هو العمر - في متابعة أهل اللعب والمباريات والفرق بمجادلاتِ وخصامٍ وجدالٍ أحمقٍ أو في مجالس من اللغو المكرور المزعج الذي يقوم المرء منه ميت القلب كأنه قام من على جيفة حمارِ برصيدٍ لا بأس به من الذنوب والمعاصي يؤهل لولوج النار وبئس القرار .. فأين هيبة الجمعة؟!.

آن للمسلمين أن يدركوا بأن يوم الجمعة كله لله وليس للدنيا، مع أن الحياة كلها كذلك كما قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [4] .

والقصد هو حرص المسلم على أن يكون السعي بعد صلاة الجمعة انتقالًا من طاعةٍ إلى أخرى وتأجيل الأعمال الدنيوية إلى يوم السبت أو تعجيلها يوم الخميس إلا ما كان منها ضروريًا أو مفاجئًا.

يروي أبو سعيدٍ الخدري - رضى الله عنه - حديثًا يبين أن الجنة هي المأوى لمن حرص على هذا الحصاد فيقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضا و شهد جنازة و صام يوما و راح يوم الجمعة وأعتق رقبة ) ) [5] .

وإذا كانت عطلة اليهود عن أعمالهم الدنيوية مؤسسةً على أساسٍ دينيٍّ وكذلك النصارى يوم الأحد فعلى المسلم أن يعتز بدينه عن غيره ويجعل يوم الجمعة خارج المناشط الدنيوية إلا ما كان منها يدور في فلك التعبد وحصاد الأجور.

إن المسلمين لو فقهوا آداب يوم الجمعة ووظائفه لأنشغلوا بها وما بقي لهم وقتٌ أبدًا يؤدون به أي منشطٍ

(1) - النساء: من الآية 113.

(2) - سبأ: من الآية 10.

(3) - الجمعة: من الآية 10.

(4) - الأنعام:162.

(5) - الألباني في السلسلة الصحيحة 1023 وقال: إسناده صحيحٌ ورجاله ثقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت