تدخل فرج الذي كان واقفا يراقب الموقف المؤثر قائلا ً:
-هذا أخوك قد جاءك معتذرًا، وهو نادم على ما فعل، وقد مات ابننا بتقدير الله، ولا داعي لكثرة العتاب الآن.
تقدّم إليها راضي وقبل جبهتها وقال لها وهو يبكي:
-لقد نلت جزائي العادل يا مطيعة، إذ لم أهنأ بشيء في حياتي بعدما فارقتكم، فقد كنت أعيش في تعاسة وشقاء بسبب عصياني لوالديّ، وعقوقي لأبي وأمي .. ليتني لم أعصهما. كانت صورة والدي غاضبًا وهو يطردني تلاحقني، وتنغص عليّ حياتي، وكثيرًا ما كنت أستيقظ مفزوعًا من نومي بسبب ذلك، وقد حاولت مرارًا أن أهرب من الواقع بشتى الطرق، بشرب الخمر، وبالسهرات، والحفلات ولكن دون جدوى. لقد جرَّبتُ كل شيء لأنسى .. ولكن لم تزدني الأيام إلا تعاسة وشقاء .. لقد كان الناس يحسدونني على هذا الشقاء وهذه التعاسة، وذلك كان يزيد في ألمي وعذابي، فهم لا يعرفون حقيقة الجحيم الذي أعيشه. سامحيني يا مطيعة، كفى العذاب الذي عشته وأعيشه. لقد تركني ابني الكبير سامر، وعقني كما عققتُ والديّ، وقد طلقتني زوجتي سحر التي لم ترض عني يومًا مع كل ما فعلته من أجلها، فقد كنت ألبي جميع طلباتها المرهقة، وكنت غالبًا ما أتغاضى عن إهاناتها المتكررة. كانت دائما تعيرني بأهلي عندما تغضب مني .. وتصفني بأنني ابن الشارع، ولقد أخذتْ معها ابنتنا رشا، ومنعتني من رؤيتها، فلم أرها منذ أكثر من سنة، أرجوك سامحيني يا مطيعة .. فأنا لم أعد أتحمل.
قامت من سريرها متثاقلة، وقد أثار شفقتها واستدرَّ عطفها ببكائه .. وأحستْ بصدق لهجته، وبجدّية توبته، فاحتضنته وهي تبكي وتقول:
-الحمد لله الذي أحيا قلب أخي بموت ابني.