الصفحة 29 من 95

والمعللون بالأولى، كالشافعي وغيره، عللوا بهذه أيضًا، وكرهوا ذلك لما فيه من الفتنة، وكذلك الأئمة: من أصحاب أحمد ومالك، كأبي بكر الأثرم صاحب أحمد، وغيره وعللوا بهذه الثانية أيضًا، وإن كان منهم من قد يعلل بالأولى.

وقد قال تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] ذكر ابن عباس وغيره من السلف:"أن هذه أسماء قوم صالحين، كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، وصوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم"قد ذكر هذا البخاري في صحيحه وأهل التفسير: كابن جرير وغيره وأصحاب قصص الأنبياء كوثيمة وغيره.

ويبين صحة هذه العلة أنه - صلى الله عليه وسلم - لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد، ومعلوم أن قبور الأنبياء لا تنبش ولا يكون ترابها نجسا، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» . وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا» فعلم أن نهيه عن ذلك من جنس نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لأن الكفار يسجدون للشمس حينئذ، فسد الذريعة، وحسم المادة، بأن لا يصلى في هذه الساعة، وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله. وكذلك نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وإن كان المصلي عندها لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله؛ لئلا يفضي ذلك إلى دعائها والصلاة لها.

وكلا الأمرين قد وقع، فإن من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب ويدعو لها بأنواع الأدعية والتسبيحات ويلبس لها من اللباس والخواتم ما يظن مناسبته لها، ويتحرى الأوقات والأمكنة والأبخرة المناسبة لها في زعمه.

وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين؛ حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، وصنف فيه بعض المشهورين كتابا سماه:"السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم"على مذهب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت