فكأن مالكا أخذ هذا الأثر من شيخه الذي تعلم عليه كثيرا من العلوم، وشيخه ربيعة بن عبد الرحمن من كبار التابعين، كذلك أيضا قد روي هذا الأثر عن أم سلمة، والصحيح أنه موقوف عليها وقد روي مرفوعا، ومعناه أنَّا نعلم معنى الاستواء: أن الاستواء معلومٌ معناه وظاهر معناه.
ولأجل ذلك فسره العلماء فهو معروف يفسر ويوضح ويترجم من لغة إلى لغة فهو معلوم لا يحتاج إلى خطأ، ولكن للاستواء كيفية هذه الكيفية هي التي نقول: إنها مجهولة فنتوقف عن الكيفية ونفسر اللفظ بما يليق بالله تعالى.
وهكذا بعضهم يقول: استوى استواء يليق به ويتركون الإيضاحات، وأكثرهم يفسرونه فابن جرير -رحمه الله- كلما مر بآية من آيات الاستواء يفسرها بالعلو والارتفاع {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} أي: علا وارتفع، أي: علا عليه، وذلك استنادا منه إلى معنى الكلمة في اللغة، وأن هذا هو الذي تدل عليه هذه اللفظة، وكذلك تفسر بالاستقرار {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} يعني: استقر عليه.
وقد تكلم المبتدعة على هذه الآية {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} وبالغوا في إيرادات وشبهات يموهون بها على من يفسر هذا الاستواء بالاستقرار، وتجدون من بالغ في سردها.
الخطيب الرازي صاحب"التفسير الكبير"ويقال له خطيب الري فإنه لما تكلم عليها في سورة"الأعراف"أورد عليها شبهات يموه بها، فيقول يرد عليها بوجوه منها كذا وكذا ومنها كذا وكذا ومنها كذا وكذا، ولما انتهى من تلك الوجوه التي أوردها على تفسير الاستواء بالاستقرار، بعد ذلك ذكر التفسير الذي يختاره فذكر أن السلف كانوا يفوضونها ويسكتون ولا يتكلمون، وهذا ليس بصحيح ثم ذكر أن الخلف كانوا يفسرونها وتفسيرهم لها في الحقيقة أنه تأويل ... أنه صرف لها عن ظاهرها.
فذكر أن بعضهم فسر الاستواء بالاستيلاء"استوى"يعني: استولى، وبعضهم فسر العرش بأنه الملك، وأطالوا في ذلك ولا حاجة بنا إلى مناقشتهم، وقد رد عليهم العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك ابن القيم في"الصواعق"وكذلك ابن أبي العز في"شرح الطحاوية"ردوا عليهم وبينوا شبههم.