ذكر الله هذه الحكمة {وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) } والعلم هنا علم الظهور، يعني: يظهر معلوم الله -تعالى- فيهم، يظهر علم الله في هذا أنه منافق، وأنه يعبد الله على حرف، ولما جاءه هذا الابتلاء رجع القهقرى، وأن هذا قوي الإيمان ما زادته الفتنة إلا ثباتا ورسوخا، وتقدما فيما هو عليه وصبرا واحتسابا، قلنا: إن هذا من آثار هذه العقيدة، وأن بإمكانك أن تعرف قوي العقيدة وضعيفها، ثم نقول: إن عقيدة أهل السنة وعقيدة أئمة الحديث، هي ما كان عليه سلفهم الصالح.
كلمة السلف: يراد بهم أهل القرون المفضلة، الذين زكاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله في حديث عمران يقول: " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " هكذا زكى القرون الثلاثة، وفي حديث آخر أنه قال للصحابة: " أنتم خير من أبنائكم، وأبناؤكم خير من أبنائهم " يعني: فضل الأقدمين، ولا شك أن هذا هو الواقع؛ وذلك لأن الصحابة -رضي الله عنهم- تلقوا هذه العقيدة عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - فتلقوا عنه الإيمان بالله -تعالى- وبوحدانيته، وتلقوا عنه الإيمان بعظمة الله وبجلال ربهم وكبريائه على خلقه، وتلقوا -أيضا- معرفة حقوقه عليهم، وما يجب عليهم لم يكن ذلك عن واسطة، بل أخذوه عن نبيهم مباشرة بدون واسطة، فلما كان ذلك، كان هذا أكبر سبب في أن قلوبهم تمتلئ بالإيمان، فكان لذلك الأثر البليغ في أنهم كلهم صاروا على هذه العقيدة.
بالتتبع لم يوجد أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل في بدعة، ولا خالف السنة، ولا خالف جماعة المسلمين ولا خرج على أئمة، ولا انتحل نحلة مخالفة لطريقة أهل السنة والجماعة، بل الصحابة زكاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأجل ذلك عدلهم أئمة الحديث كلهم عدول، وما ذاك إلا أنهم تلقوا هذا الوحي من نبيهم - صلى الله عليه وسلم - تعلموا القرآن، وفيه أمور العقيدة، وأمور الشريعة، وتعلموا السنة يقولون: تعلمنا من القرآن، وتعلمنا من السنة، فتعلمهم من السنة إيضاح لما في القرآن من أمور المعتقد، ومن أمور الغيب ولا شك أن هذا التعلم الذي تلقوه مباشرة دليل واضح على أنهم وصل الإيمان إلى قلوبهم، دليل على قوة إيمانهم حيث لم يكن إيمانهم عن تقليد، بل عن اتباع.