المشركين الذين هم على أهبة القتال، ومعهم القوة، ومعهم الكثرة والصحابة في قلة وفي ضعف، ولكن معهم قوة الإيمان، ومعهم قوة العقيدة الذي دفعهم إلى أن أفنوا ما يملكونه من الأموال، وأنفقوه، وتعرضوا للقتل، أو تعرضوا لسفك الدماء، لا شك أن الذي حملهم على ذلك هو العقيدة التي رسخت، ورست في قلوبهم، وأشربتها القلوب، وأشربتها الجلود، وأشربتها الدماء والعروق.
فكانت مشربة بلحومهم وبدمائهم، هذا أثر هذه العقيدة في أولئك الصحابة، ويقال كذلك -أيضا- في من كان على هذه العقيدة في قديم الزمان وفي حديثه.
إذا ضعفت هذه العقيدة في القلب كانت عرضة للزوال، عرضة للتزعزع ولأجل ذلك كثير من الناس، الذين لم ترسخ العقيدة في قلوبهم ينحرفون بسرعة، ويرجعون القهقرى، ويكفرون بعد إيمانهم حيث إنهم لم يصلوا إلى اليقين الذي هو اليقين الحقيقي؛ لأن اليقين هو الإيمان كله كما ورد عن بعض السلف، أنهم قالوا: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله، فاليقين هو الاعتقاد الصادق.
ذكر الله -تعالى- بعض الناس الذين ما رسخت العقيدة في قلوبهم، فذكر أنهم يتزعزعون، وأنهم ينحرفون قال الله -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ} هكذا حالة بعض الناس الذين لم ترسخ العقيدة في قلوبهم، دخلوا في الإيمان مثلا، ولكن دخولهم كتجربة يقولون: ننظر في هذا الدين، فإن جاء بما يوافق أهواءنا، وما نحبه صرنا مع أهله، وإلا رجعنا إلى ما كنا عليه، فإن أصابهم خير: نصر ورزق وفتح ومال، وإقبال الدنيا عليهم، وما يسرهم، وما يحبونه من زهرة الدنيا، ومن زينتها اطمأنوا، وساروا على ما هم عليه على معتقدهم، ولو كان ضعيفا أما إذا ابتلوا، وأصيبوا في أموالهم، أو أبدانهم بشيء من المصائب، فما أسرع