الصفحة 37 من 59

الله عليه وسلم إنما أمرهم بالفسخ للإعلام بجواز العمرة، لم يخف ذلك على ابن عباس، ولم يقل: إن كل من طاف بالبيت من قارن أو حاج لا هدي معه فقد حل.

-الثاني عشر: أنه لا يظن بالصحابة الذين هم أصح الناس أذهانًا وأفهامًا وأطوعهم لله ولرسوله، أنهم لم يفهموا جواز العمرة في أشهر الحج، وقد عملوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعوام، وأذن لهم فيها، ثم فهموا ذلك من الأمر بالفسخ.

-الثالث عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون أمرهم بالفسخ لأن التمتع أفضل، فأمرهم بالفسخ إلى أفضل الأنساك، أو يكون أمرهم به ليكون نسكهم مخالفًا للمشركين في التمتع في أشهر الحج؛ وعلى التقديرين فهو مشروع غير منسوخ إلى الأبد. أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن الشريعة قد استقرت -ولا سيما في المناسك- على قصد مخالفة المشركين، فالنسك المشتمل على مخالفتهم أفضل بلا ريب، وهذا واضح.

-الرابع عشر: أن السائل للنبي صلى الله عليه وسلم: (عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟) لم يرد به أنها هل تجزئ عن تلك السنة فقط أو عن العمر كله؟ فإنه لو كان مراده ذلك لسأل عن الحج الذي هو فرض الإسلام، ومن المعلوم أن العمرة إن كانت واجبة لم تجب في العمر إلا مرة واحدة، ولأنه لو أراد ذلك لم يقل له النبي: (بل لأبد الأبد) ، فإن أبد الأبد إنما يكون في حق الأمة [قومًا يعرفون] إلى يوم القيامة، وإن الأبد لا يكون في حق طائفة معينة؛ بل هو لجميع الأمة، ولأنه قال في رواية النسائي: (ألنا خاصة أم للأبد؟) ، فدل على أنهم إنما سألوا: هل يسوغ فعلها بعدك على هذا الوجه؟ فأجابهم بأن فعلها كذلك سائغ أبد الأبد، وفي رواية للبخاري: أن سراقة بن مالك لقي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: بل للأبد) [1] .

-الخامس عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم في تلك الحجة أن كل من طاف بالبيت فقد حل، إلا من كان معه الهدي، ففي السنن من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه قال: (خرجنا مع رسول الله

(1) رواه البخاري (1785) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت