الإعلام الممكن الحصول بأقرب الطرق؟ وقد بين ذلك غاية البيان بقوله وفعله، فلم يحلهم بالإعلام على الفسخ.
-السابع: أنه لو فرض أن الفسخ للإعلام المذكور؛ لكان ذلك دليلًا على داوم مشروعيته إلى يوم القيامة، فإن ما شرع في المناسك لمخالفة المشركين مشروع أبدًا؛ كالوقوف بعرفة لقريش وغيرهم، والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس.
-الثامن: أن هذا الفسخ وقع في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجئ عنه كلمة قط تدل على نسخه وإبطاله، ولم تجمع الأمة بعده على ذلك، بل منهم من يوجبه، كقول حبر الأمة وعالمها عبد الله بن عباس ومن وافقه، وقول إسحاق، وهو قول الظاهرية وغيرهم، ومنهم من يستحبه ويراه سنة رسول الله؛ كقول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، وقد قال له سلمة بن شبيب: «يا أبا عبد الله! كل شيء منك حسن إلا خصلة واحدة، تقول بفسخ الحج إلى العمرة! فقال: يا سلمة! كان يبلغني عنك أنك أحمق وكنت أدافع عنك، والآن علمت أنك أحمق! عندي في ذلك بضعة عشر حديثًا صحيحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أدعها لقولك؟» ، وهو قول الحسن، وعطاء، ومجاهد، وعبيد الله بن الحسن، وكثير من أهل الحديث أو أكثرهم.
-التاسع: أن هذا موافق لحج خير الأمة وأفضلها، مع خير الخلق وأفضلهم؛ فإنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالفسخ إلى المتعة، وهو لا يختار لهم إلا الأفضل، فكيف يكون ما اختاره لهم هو المفضول المنقوص؛ بل الباطل الذي لا يسوغ لأحد أن يقتدي بهم فيه؟!
-العاشر: أن الصحابة رضي الله عنهم إذا لم يكتفوا بعمل العمرة معه ثلاثة أعوام في أشهر الحج، وبقوله لهم عند الإحرام: (من شاء أن يهل بعمرة فليهل) على جواز العمرة في أشهر الحج؛ فهم أحرى أن لا يكتفوا بالأمر بالفسخ في العلم بجواز العمرة في أشهر الحج، فإنه إذا لم يحصل لهم العلم بالجواز بقوله وفعله فكيف يحصل بأمره لهم بالفسخ؟!
-الحادي عشر: أن ابن عباس الذي روى أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وأن النبي أمرهم لما قدموا بالفسخ، هو كان يرى وجوب الفسخ ولا بد؛ بل كان يقول: (كل من طاف بالبيت فقد حل من إحرامه ما لم يكن معه هدي) [1] ، وابن عباس أعلم بذلك، فلو كان النبي صلى
(1) رواه الإمام أحمد رحمه الله بلفظ مقارب وهو: عن أبي حسان أن رجلًا قال لعبد الله بن عباس: (إن هذا الذي تقول قد تفشغ في الناس، قال همام: يعني كل من طاف بالبيت فقد حل، فقال: سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وإن زعمتم. قال همام: يعني من لم يكن معه هدي) ، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي حسان فمن رجال مسلم (4/ 310) ، واللفظ الذي ذكره ابن القيم رحمه الله وجدته في حجة الوداع لابن حزم.