المبلغ، فإن أنكر ذلك فقل له: أنت أصدق وأبرّ، لا تزيدن على ذلك شيئًا، وإن اعترف بذلك فرأيت له في ذلك وجهًا لعذر فاقبل منه، وإن لم تر ذلك فقل له: ماذا أردت مما بلغني عنك؟ فإن ذكر ماله وجه من العذر فاقبل منه، وإن لم تر لذلك وجهًا لعذر وضاق عليك المسلك فحينئذ أثبتها عليه سيئة، ثم أنت في ذلك بالخيار: إن شئت عفوت عنه والعفو أقرب للتقوى، وأبلغ في الكرم. فإن نازعتك نفسك بالمكافأة ففكر فيما سبق له لديك من الإحسان فعدها، ثم أبدر له إحسانًا بهذه السيئة، ولا تبخسن باقي إحسانه السالف بهذه السيئة فإن ذلك من الظلم بعينه ... إذا كان لك صديق فشد يديك به، فإن اتخاذ الصديق صعب ومفارقته سهل.
صور من ذكاء الشافعي:
كما سبق وأن أسلفت، ورث الشافعي الذكاء من أمه .. فقد أورد الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى لطيفة عن أم الشافعي في باب شهادة النساء من صحيح البخاري في شرحه العظيم فتح الباري فقال:"ومن اللطيف ماحكاه الشافعي عن أمه أنها شهدت عند قاضي مكة هي وامرأة أخرى، فأراد أن يفرق بينهما، امتحانًا فقالت له أم الشافعي: ليس لك ذلك لأن الله تعالى قال: أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى."
ويروى أن هناك مجموعة من العلماء دبروا مكيدة للشافعي واجتمعوا وقرروا أن أن يجمعوا له العديد من المسائل الفقهية لاختبار ذكائه، فاجتمعوا ذات مرة عند الخليفة الرشيد الذي كان معجبًا بذكاء الشافعي وعلمه بالأمور الفقهية وبدؤوا بإلقاء الأسئلة عليه والفتاوى فسأل الأول: ما قولك في رجل ذبح شاة في منزله ثم خرج في حاجة فعاد وقال لأهله: كلوا أنتم الشاة فقد حرمت علي ... فقال أهله: علينا كذلك.
فكر الشافعي قليلًا ثم قال: إن هذا الرجل كان مشركًا فذبح الشاة على اسم الأنصاب وخرج من منزله لبعض المهمات فهداه الله إلى الإسلام وأسلم فحرمت عليه الشاة وعندما علم أهله أسلموا هم أيضًا، فحرمت عليهم الشاة هم أيضًا
وسئل: ما تقول في رجل أخذ قدح ماء ليشرب، فشرب حلالًا وحرم عليه بقية ما في القدح؟
فكر الشافعي قليلًا ثم أجاب: إن الرجل شرب نصف القدح فرعف (أي نزف) في الماء المتبقي فاختلط الدم بالماء الذي في القدح فحرم عليه ما في القدح.
لم يستطع الرشيد حينها أن يخفي إعجابه بالشافعي وذكائه وسرعة خاطرته، وجودة فهمه وحس إدراكه وقال: لقد بينت فأحسنت وعبرت فأفصحت وفسرت فأبلغت.