الصفحة 8 من 16

3 -التعريف:

وهو كتاب أرَّخ فيه ابن خلدون لحياته، ولم يقتصر عليها، بل ذكر كذلك كثيرًا مما يتصل بتاريخه من الحوادث والرسائل والخطب والوثائق، ويصف أحوال كثير من المجتمعات والنظم التي كان له علاقة بها، وترجم لمعظم من عرض ذكرهم في الكتاب [1] .

مع صخب الصراعات الصغيرة الطائفية في المجتمع الإسلامي العريض ضاعت إيقاعات ابن خلدون، فلم تظهر إلا بعد أن اكتشف أصداءها أوربيون كانوا يصغون بانتباه حضاري كبير لكل الإيقاعات المنبعثة من أركان العالم الإسلامي المتحضر، وهذا حق لا يمكن إنكاره؛ فإن ابن خلدون كان خميرة قوية، وإن لم نستطع نحن المسلمين الإفادة منها، فإن الأوربيين قد أفادوا منها أي إفادة، ويعتبر ابن خلدون من القلائل الذين ترجمت أعمالهم في وقت مبكر إلى كل لغات العالم الحية تقريبًا، وقد كتب الأوربيون حول مقدمته الشهيرة (وهي الجزء الأول من كتابه الكبير"العبر في أخبار العرب والعجم والبربر ومن جاورهم من ذوي السلطان الأكبر) مئات الدراسات، بحيث لا يجد المؤرخ المسلم أي حرج في أن يصرِّح بأن تأثير فكر ابن خلدون (بمقدمته في تفسير التأريخ وعلم العمران البشري) كان تأثيرًا مباشرًا وقويًّا وحاسمًا في يقظة الحضارة الأوروبية، وتعتبر القائمة التي أوردها الدكتور (عبد الرحمن بدوي) حول الدراسات الأوربية عن ابن خلدون (في كتابه عنه) من الأدلة الواضحة على عمق هذا التأثير ووضوحه [2] ."

على أن ابن خلدون من جهة أخرى كان يحظى بتقدير فريق قوي من الرأي المصري المفكِّر، وكان على رأس هذا الفريق المؤرخ العلامة تقي الدين المقريزي الذي درس في فتوته على ابن خلدون وأعجب بغزير علمه ورائع محاضراته وطريف آرائه ونظرياته.

وهناك مؤرخ مصري آخر هو أبو المحاسن بن تغري بردي يشاطر شيخه المقريزي تقديره لابن خلدون ويشيد بمقدرته ونزاهته في ولاية القضاء, ويقول لنا: إنه"باشر القضاء بحرمة وافرة وعظمة زائدة وحمدت سيرته"، ويظهر أثر ابن خلدون أيضًا في اعتماد بعض أكابر الكتاب المصريين المعاصرين عليه والاقتباس من مقدمته وتاريخه، ومن هؤلاء أبو العباس القلقشندي صاحب كتاب"صبح الأعشى"؛ فإنه يقتبس من ابن خلدون في مواضع شتى من موسوعته [3] .

(1) - د. علي عبدالواحد وافي، عبدالرحمن بن خلدون (ص: 239) .

(2) - عبدالحليم عويس: ابن خلدون رائد عصر جديد في فقه التاريخ، مجلة البحوث الإسلامية (15/ 244) .

(3) د. علي عبدالواحد وافي، عبدالرحمن بن خلدون (ص: 129 , 130) بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت