فأنت حرة )) [1] .
والله لا يقدر على ذلك إلا عظيم، فالجمع بين الصفح والإحسان دليل ظاهر على ما كان عليه أئمة أهل البيت من الصفح عمن أساء إليهم، وسلامة صدورهم عمن هضمهم واعتدى عليهم، فلم يكونوا يحملون العداء لإخوانهم المسلمين، ولم يكونوا ينتصرون لأنفسهم ولأجل حضوضهم، بل كان شعارهم:
سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... وإن عظمت منه عليّ الجرائم
فما الناس إلا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف قدره ... وأتبع فيه الحق والحق لازم
وأما الذي دوني فإن قال صنت عن ... إجابته نفسي وإن لام لائم
وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا ... تفضلت إن الحر بالفضل حاكم [2]
روى الطبراني بإسناده أن زين العابدين كان جالسًا في جماعة، فسمع داعية في بيته، فنهض فدخل منزله، ثم رجع إلى مجلسه، فقيل له: أمن حدث كانت الداعية؟ فقال: نعم. فعزوه وتعجبوا من صبره، فقال: (( إنا أهل بيت نطيع الله عز وجل فيما نحبه، ونحمده على ما نكره ) ) [3] .
وهذه الحال عند المصيبة شاهد لهم بأن أحبة إلى الله أحبه إليهم، واعتقادهم أن أفعال الله وأقداره فيهم لا تخلو من مصلحة خالصة أو راجحة، فشق الجيوب ولطم الخدود وإيلام البدن دعوى ضجر وسخط منافية للصبر، فلا تحزن على ما أصابك، ولا تأس على ما فاتك، واستعن بالله واصبر عند كل نائبة، واعلم أن الصبر محمود العواقب {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] .
المبحث الخامس: الورع:
قال جويرية بن أسماء: (( ما أكل علي بن الحسين بقرابته من رسول الله درهمًا قط ) ) [4] .
نعم إنها الصيانة الحقيقية لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتخذوها مسلكًا للظفر بغرض
(1) تاريخ مدينة دمشق (41/ 387) .
(2) للشاعر محمود الوراق المتوفى سنة 225 هـ، انظر المستطرف في كل فن مستظرف (205) .
(3) حلية الأولياء (3/ 162) تهذيب الكمال (5/ 239) تاريخ مدينة دمشق (41/ 386) .
(4) سير أعلام النبلاء (4/ 391) تهذيب الكمال (5/ 238) تاريخ مدينة دمشق (41/ 377) .