وهنا مسألة يجب التنبُّه لها وهي أن الذي يلجأ إلى التأويل في صفات الله تعالى لا يفعل ذلك إلا بعد تصوره للتشبيه ، فيفر منه إلى التأويل . وأما الذي يعتقد ثبوت الصفات على ما يليق بالله جل جلاله ولا يمثّل ولا يكيّف ويقول إن ذاته المقدسة لا تشبه الذوات ولا صفاته العلية تشبه الصفات فهذا لا يحتاج إلى التأويل . وهذه طريقة السلف أجمعين .
وقد أثر عن نعيم بن حماد - من أئمة أتباع التابعين- قوله:"من شبه الله بخلقه فقد كفر ، ومن أنكر ما وصف نفسه به فقد كفر . وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيها".63
ردود على شبه
وأما ما يستدلون به من تفسير ابن عباس لقوله تعالى: ?وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ? [الذاريات: 47] أنها بقوة ، فهذه الآية قد قال كثير من المفسرين إنها ليست من آيات الصفات، وابن عباس لا ينفي عن الله سبحانه اليد التي أثبتها لنفسه وإنما يقول إن هذه الآية معناها هكذا وهو تفسير مقبول من حَبْرِ الأمة (.64
فهل قال ابن عباس مثل ذلك في قوله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ? [الفتح: 10] ؟ أو قال ذلك في قوله تعالى: ?بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ? [المائدة:64] ؟ وفي قوله جل شأنه:?مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ? [ص:75] أو قالها في قول الله سبحانه: ?وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا? [الفجر: 22] ؟ وما أشبه ذلك من آيات الصفات الإلهية ؟ أليس ابن عباس هو الذي قال في قوله تعالى: ?أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ..? أي أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه؟65 فهل هو من أرباب التأويل؟