وهنا يجب التفريق بين التفويض الذي يقصدونه وبين ما ثبت عن السلف من الكف عن التكييف والتمثيل فهذا قد يسمى تفويضا ولكنه تفويض للكيفية لا للمعنى . فالسلف يثبتون معاني صفات الله تعالى على حقيقتها المعروفة التي يعرفها كل من يعرف اللغة العربية ولكن يفوضون العلم بكيفية هذه الصفات إذ أن ذلك لا تهتدي إليه العقول كما قال تعالى: ?ولا يحيطون به علما? [طه: 110] . ولذلك كانوا يقولون: أَمِرُّوهَا كما جاءت بلا كيف 50. ففي الجنة من النعيم ما وصفه الله في كتابه ?من ماء غير آسن وأنهارٌ من لبن لم يتغير طعمه وأنهارٌ من خمر لذة للشاربين وأنهارٌ من عسل مصفى? [محمد: 15] . ومع ذلك فليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء كما قاله ابن عباس ( . فهل يعني ذلك أن ننفي وجود الماء واللبن والخمر والعسل في الجنة ؟ كلا ، هي كذلك على حقيقتها ولكنا لا نعلم كيفيتها كما قال سبحانه:?فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين? [السجدة: 17] .
أَفَتَرَى زينبَ بنْتَ جحشٍ رضي الله عنها حين تقول للرسول ^:"زوجنيك الرحمن من فوق عرشه"وفي رواية:"إن الله أنكحني في السماء"51 لا تعرف معنى أن الله في السماء فوق العرش ؟ .
أو أن عائشة رضي الله عنها حين قالت في شأن قتل عثمان:"علم الله فوق عرشه أني لم أحب قتله"52 لا تعرف أين ربها بل تفوض معنى ذلك ؟
أو ليس عبد الله بن عباس هو الذي قال لها رضي الله عنهما:"كنتِ أحبَّ نساء رسول الله ^ ولم يكن يحب إلا طيبا ، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات"53 ؟
أو أن عمر بن الخطاب ( حين قال لخولة بنت ثعلبة:"هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات"54 أو حين استقبله الناس بالشام وأشاروا له أن يركب بِرْذَوْنًا يلقاه عظماء الناس فقال لهم: أريكم ههنا ؟ إنما الأمر من ههنا ! وأشار إلى السماء .55 أتظن أنه لا يعرف أين ربه؟.