الصفحة 40 من 50

نعرف أنَّ النوم الثقيل لا يصحو صاحبه لا بصوت يصخّ، أو بضرب يصكّ، وأنَّ المرض الطويل لا يشفى المبتلى به إلاَّ بتدبير حكيم قد يفضي إلى البتر أو القطع، وقد أصابنا من القوارع ما لو أصاب أهل الكهف لأبطل المعجزة في قصتهم ومما كانوا به مثلًا في الآخرين.

ولكننا لم نصحُ من نوم إلاَّ لنستغرق في نوم، ولم ننفلت من قبضة مُنَوِّم؛ إلا لنقع في قبضة مُنَوِّم.

صَحَوْنا من نوم الاتكال، فنقلنا إلى نوم التواكل، وخرجنا من نوم الجهل ومن نوم الركود، إلى طفرة تدقُّ الأعناق، وانفلتنا من تنويم تُجَّار الدين فوقعنا في تَنْوِيم تجار السياسة.

أولئك يمنوننا بسعادة الآخرة من دون أن يسلكوا بنا سبيلها الواضحة، وهؤلاء أصبحوا يُغَنُّون لنا بسعادة الدنيا دون أن يدلونا على نهجها الصحيح، وكانت العاقبة لذلك كله ما نرى وما نحس وما نشكو.

وما أضلنا إلا المجرمون الذين يدعونا بعضهم إلى الجمع بوسيلة التفريق ويدعونا بعضهم إلى النجاة بطريقة التغريق، والأولون هم رجال الدين الضالون الذين فرَّقوه إلى مذاهب وطوائف، والآخرون رجال السياسة الغاشون الذين بَدَّلوا المشرب الواحد، فجعلوه مشارب.

فهل هَبَّة من روح الإسلام على أرواح المسلمين تذهب بهؤلاء وهؤلاء إلى حيث ألقت، وتجمع قلوبهم على عقيدة الحق الواحدة، وألسنتهم على كلمة الحق الجامعة، وأيديهم على بناء حصن الحق على الأُسس التي وضعها محمد - صلى الله عليه وسلم -.

ولا مَطْمَع لنا في الوصول إلى هذه الغاية إلاَّ إذا أصبح المسلم يلتفت إلى جهاته الأربع فلا يرى إلا أخًا يشارك في الآلام والآمال، فهو حقيق أن يشاركه في العمل.

إنَّ الوسائل إلى هذه الغاية كثيرة، وأقربها نفعًا، وأجداها أثرًا أنْ تُربَّى الأحداث من الصبا على غير ما ربَّانا آباؤنا، وأن نحجب عليهم نقائصنا، فإن اطلعوا عليها سميناها باسمها، وأنها نقائص، وأنها سبب هلاكنا، وحذرناهم من التقليد لنا فيها، فإذا شبُّوا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت