الصفحة 39 من 50

توحيدها وغير ذلك من العوارض التي تظهر لمثل هذه الأطوار من حياة الأمم، وهل هذه الإرهاصات موجودة؟

نعم يوجد بعضها القليل ولكن آفته الكبرى أنه مُتّجه إلى غير القبلة المشروعة، وإن الرياح تسوق سحبه إلى غير أرضنا.

لِنَخْرُجْ من النفاق الغرَّار الخادع، إلى الصدق والصراحة فنقولَ: الموجود من تلك الأشياء الثلاثة هو الأسماء مفسَّرة في الغالب بغير معانيها، مصوَّرة بغير صورها الحقيقية.

وإذا فسد التصور فسد التصوير؛ لأننا ما زلنا نبني تصوراتها على أُسس من الأماني، ونزجُّها بالفأل ومعاني الفأل، فلا تنتهي بنا إلى الأعمال وإنما تنتهي إلى الخيال ثم إلى الخبال، وما زلنا على بقية من الافتتان بالتفسيرات القاموسية التي تقول لنا مثلًا: إنَّ اليقظة التي هي الصحو من النوم، ولو أن نائمًا صحا من نومه صحوًا كاملًا ولم يبق في أجفانه فتور ولا ترفيف، ولكنه بقي في مضجعه لم يعمل عملًا ولم يأت شيئًا من مستلزمات الصحو، ونواقض النوم - لكان هذا كافيًا في تحقيق المعنى القاموسي، ولكنه لا يفيد المعنى الاجتماعي بل يُعَدُّ كما لو كان يغط في نومه، وكذلك تقول في معنى اليقظة ومعنى النهضة.

تصحيح معاني هذه الكلمات يستلزم إصلاحًا شاملًا للمفاسد النفسية، ويتغلغل إلى مكامن الأمراض فيها، فيطهرها ليبني العلاج على أصل صحيح وإلى عروق الشرِّ منها فيمتلخها ليأْمَنَ النكسة.

ومردُّ ذلك كله إلى الأخلاق فهي أول ما فسد بيننا؛ فتكون أول ما أفسد علينا كل شيء.

فلتكن هي أول ما نُصْلِح إنْ كُنَّا جادِّين في تثبيت الوعي، واليقظة، والنهضة؛ لأن الأخلاق إذا استقامت تفتحت البصائر للوعي، وتهيأت الشواعر لليقظة وانبعثت القوى للنهضة، فكان الوعي بصيرًا، وكانت اليقظة عامّة وكانت النهضة شاملة، وكانت الحياة لذلك كله كاملة.

نعترف أن نومنا كان ثقيلًا، وبأنَّ عمر أمراضنا كان طويلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت