أذهبت ريحهم؛ ومع أن إخواننا علماء الإسلام يَملكون ما لا نملك من وسائل الاجتماع، وأسباب القوة ـ فإن جهودهم في الإصلاح الديني لم تزل فردية محدودة، وخطواتهم في السير به لم تزل بطئية متثاقلة.
أما والله ـ لو أنهم اجتمعوا وتذامروا, وشنوها ـ كما شنناها غارة شعواء على البدع والضلالات التي مهدت للانحلال وفساد الأخلاق بين المسلمين, ومكنت للضعف والخور في نفوسهم, وللوهن والفشل في عزائمهم, وللزيغ والاعوجاج في فطرتهم, وللرثاثة والنكث في روابطهم، ثم صيرتهم ـ لذلك ـ حمى مستباحًا، ونهبًا مقسمًا ـ لو فعلوا ذلك لأعادوا للإسلام قوته وكماله، ونضرته وجماله، وللمسلمين مكانهم في البشر ومكانتهم في التاريخ.
-وفي مقال «موالاة المستعمر خروج عن الإسلام» [1] يقول:
إذا قلنا: «إنَّ موالاةَ المستعمِر خروجٌ عن الإسلام» فهذا حكمٌ مجمَل، تفصيلُه أنَّ الموالاة مفاعلةٌ أصلُها الولاء أو الولاية، وتمسّها في معناها مادة التّولّي، والألفاظُ الثلاثة واردة على لسان الشرع، منوطٌ بها الحكم الذي حكمنا به وهو الخروجُ عن الإسلام، وهي في الاستعمال الشرعيِّ جاريةٌ على استعمالها اللّغوي، وهو في جملته ضدُّ العداوة، لأنَّ العربَ تقول: «وَالَيْتُ أو عاديت، وفلان وليّ أو عدّو، وبنو فلان أولياء أو أعداء» ، وعلى هذا المعنى تدور تصرّفات الكلمة في الاستعمَالَين الشرعيّ واللغويّ.
وماذا بين الاستعمَار والإسلام من جوامعَ أو فوارق حتى يكونَ ذلك الحكم الذي قلناه صحيحًا أو فاسدًا؟
إنَّ الإسلامَ والاستعمار ضدّان لا يلتقيان في مبدأ ولا في غاية، فالإسلام دينُ الحرية والتحرير، والاستعمار دين العبودية والاستعباد، والإسلام شرع الرحمةَ والرفق، وأمر بالعدل والإحسان، والاستعمار قوامُه على الشدّة والقسوة والطغيان، والإسلام يدعو إلى السلام والاستقرار، والاستعمار يدعو إلى الحرب والتقتيل والتدمير والاضطراب، والإسلام يُثبت الأديانَ السماوية ويحميها، ويقرّ ما فيها من خيرٍ ويحترم أنبياءَها وكتبَها، بل يجعل
(1) آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (5/ 68 - 70) .