يهدي من المشعوذين الدجالين. فأضلوها عن سواء السبيل، ومكنوا فيها للداء الوبيل، وأعضلُ أنواعه الاستعمار، الذي وجد منهم مطايا ذُللا سماحًا إلى غاياته الخبيثة في الإسلام والمسلمين؛ ولو كان العلماء هم القادة، وكانوا أحياء الضمائر والمشاعر، وكانوا ـ كما كانوا شداد العزائم والإرادات، لوجد منهم الاستعمار في مشارق الإسلام ومغاربه حصونًا تصدّ، ومعاقل ترد.
أما والله ـ ألية المسلم البر, وسريرة الضمير الحر ـ لا ترجع هيبة العلماء إلى مستقرها من نفوس الأمة حتى يقوموا بعهد الله في بيان الحق، ويتظافروا على حرب البدع والضلالات التي لابست الإسلام، ولبست عقائده ففسدت، وآدابه فكسدت، ولبستْ على المسلمين دينهم فأصبحتْ حقائقه في واد، وعقولهم في واد، وحتى يَجلوا على الأمة تلك الكنوز الدفينة في كتاب الله كتاب الإنسانية العليا، وفي سيرة محمد دستور الحق والخير والكمال؛ وإن ذلك في صميمه هو ما تقوم به «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» ، في دعوتها وعملها الإصلاحيين؛ وإنها لا تفتأ جاهدة في الإصلاح الديني حتى تؤدي أمانة الله منه، وتبلغُ الغاية من إقراره في النفوس، وتمكينه في الأفئدة؛ وقد بلغت دعوتها للمقصورات في خدورهن، وللرُّحل في قفارهم، وللبداة في بواديهم، وللحضر في نواديهم، حتى أصبحتْ آثارها بادية في العقول والأفكار والإرادات، وقد رجع للقرآن بعض نفوذه وسلطانه، وحجته وبرهانه، وللسنة النبوية مكانها علمًا وعملا، وللعلماء المصلحين قوتهم في التوجيه، ومكانتهم في التدبير، وقدرتهم على القيادة.
وإن هذه النتيجة لدعوة جمعية العلماء لمعجزة ادخرها الله لهذا القطر الجزائري، فلا يوجد قطر من أقطار الإسلام تأثر أهله بالفكرة الإصلاحية الدينية كما تأثر مسلمو الجزائر، ولا يوجد في علماء الإسلام جماعة قاموا بهذه الدعوة الجريئة، متساندين مجتمعين، يَجمعهم نظام وانسجام، كما قام رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، على كثرة اللدَد في الخصم وفرة اللجاج في المعارض؛ وكم وددنا لإخواننا علماء الأقطار الإسلامية، لو قاموا بمثل ما قمنا به من تطهير عقائد المسلمين وتوجيههم التوجيه الصحيح النافع في الدين والحياة، والرجوع بهم ـ في صراحة وجرأة ـ إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم، وإنقاذهم بذلك من عصبيات المذاهب والطرق التي فرقت شملهم، ومصائب التفرق والخلاف التي