الصفحة 29 من 31

ويقابلهم الجبرية فتعلقوا بقوله: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان:30] ونفوا نسبة الأفعال إلى من صدرت عنه، وقالوا: (الإنسان مجبور وعطلوا الأمر والنهي) .

والكرامية لم ينظروا في باب الإيمان إلا في قوله تعالى: {فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُوا} [المائدة: 85] ، وقالوا: (الإيمان قول باللسان فقط دون تصديق ولا عمل) .

قال القرطبي: (وهذا منهم قصور وجمود، وترك نظر لما نطق به القرآن والسنة) .

وهكذا حال من تعلق ببعض الكتاب دون بعض، وهو انحراف خطير في الفكر وشذوذ في التفكير واعتلال في الشخصية أوجبه الاقتصار على بعض الآيات دون بعض.

قال رشيد رضا: (وفهم القرآن لا يكون صحيحًا إلا بالجمع بين الآيات المتقابلة في الموضوع الواحد الذي يختلف التعبير فيه) .

وإزاء هذا وذاك وفق الله المنتسبين لأهل السنة والجماعة في تفسير القرآن بالشمولية والاستيعاب لجميع الآيات القرآنية كلها، ولا يقتصرون على بعضها للاستفادة منها، ومن ثم؛ لم يكن عندهم هذا الشطط وهذا الانحراف وهذا الشذوذ.

فالتفسير وفهم القرآن وحده هو الذي يقضي على ظاهرة التفرق والتحزيب والانتماء إلى فكر معين وتخصص معين؛ فمدرسة التفسير تذوب فيها جميع الفوارق. فإني أتصور الطالب وأتخيله عبدًا يملكه شركاء مختلفون وهو بينهم موزع، ولكل منهم فيه توجيه، وعليه تكليف، وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج، ولا يستقيم على طريق، ولا يملك أن يرضي أوامرهم المتعارضة التي تمزق اتجاهاته وقواه، وهذا واضح جلي في طلاب الجامعات التي لا تلتزم بمنهج القرآن.

وأتصوره وأتخيله عبدًا يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلبه منه ويكلفه به وهو مستريح مطمئن مستقر على نهج واحد، وهذا واضح جلي في طلاب الجامعات التي تلتزم بمنهج القرآن الكريم.

ولا شك أن الذي يتلقى علومه وفقهه من القرآن الكريم - ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتفسير - يخضع لهذه المادة ويتعلم منها، فتربطه بالقرآن، فينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين وتجمع الطاقة ووحدة الاتجاه ووضوح الطريق، فينشأ سوي الشخصية متزنًا معتدلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت