يقول الرسول صلى الله عليه وسلم وعدني ربّى أن يدخل الجنة من أمّتي سبعون ألفاّ بغير حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعين ألفا، وزادني ثلاث حسيات [1] وفي رواية: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب قالوا من هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يسترقون [2] ولا يتطيرون [3] ولا يكتوون [4] وعلى ربهم يتوكلون. [5]
يقول الإمام القرطبي: لا تظن أن من استرقى واكتوى لا يدخل الجنة بغير حساب فإن النبي صلى الله عليه وسلم رقى نفسه وأمر بالرقى وكذلك كوى أصحابه ونفسه فيما ذكره الطبري وغيره فمحمل النبي صلى الله عليه وسلم على رقى مخصوصة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لآل عمرو بن حزم"أعرضوا على رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك [6] وكذلك الكي فمن فعله في محله وعلى شروطه لم يكن ذلك مكروها في حقه ولا منقصا له ويجوز أن يكون من السبعين ألفا. [7] "
وقد روى أنه إذا كان يوم القيامة ناد مناد: أيكم أهل الفضل؟ فيقوم ناس من الناس فيقال: انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون، إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب؟ قالوا: نعم، قالوا: من أنتم؟ قالوا: أهل الفضل، قالوا: وما كان فضلكم؟ قالوا: كنا إذا جُهل علينا حَلمنا، وإذا ظُلمنا صبرنا، وإذا أُسئ علينا غَفرنا، قالوا: أدخلوا الجنة فنعم أجر العاملين، ثم ينادى مناد: ليقم أهل الصبر فيقوم ناس من الناس وهم قليل فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقال لهم مثل ذلك، فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبّرنا أنفسنا على طاعة الله وصبّرناها عن معاصي الله، قالوا: أدخلوا الجنّة فنعم أجر العاملين، قال: ثم ينادى مناد: ليقم جيران الله فيقوم ناس من النّاس وهم قليل فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنّة، فتتلقاهم الملائكة فيقال لهم مثل ذلك قالوا: ولم جاورتم الله في داره؟ قالوا: كنا نتزاور في الله ونتجالس في الله ونتباذل في الله عز وجل قالوا: أدخلوا الجنة فنعم أجر العاملين [8] ثم ينادى مناد أين أهل المعرفة بالله؟ أين المحسنون؟ فيقيمون حتى يقفوا بين يدي الله تعالى فيقول وهو أعلم بذلك من أنتم؟ فيقولون نحن أهل المعرفة بك الذي عرفتنا إياك وجعلتنا أهلًا لذلك فيقول: صدقتم ثم يقول، ما عليكم من سبيل أدخلوا الجنّة برحمتي [9] ثم ينادى مناد: أين عبادي الذين أطاعوني وحفظوا عهدي بالغيب فيقومون فيقفون بين يدي الله تعالى فيقول لهم الله أنا اصطفيتكم وأنا أحببتكم وأنا اخترتكم اذهبوا فادخلوا الجنّة بغير حساب فلا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون [10] ثم ينادى المناد على الحامدين لله تعالى على كل حال ثم الذين كانت {تَتَجَافي جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [11] ثم الذين كانوا {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} [12] فيقال لهم أدخلوا الجنّة بغير حساب. [13]
(1) صحيح أحمد وابن حبان عن أبي إمامة (الترغيب والترهيب جـ 4 ص 418)
(2) لا يسترقون: أي لا يطلبون الرقية.
(3) لا يتطيرون: أي لا يتشاءمون بالطير.
(4) لا يكتوون: أي لا يكتوون رضاء بقضاء الله وبلائه والاعتقاد بأنه النافع والضار وأن الأمور كلها بيده
(5) رواه البخاري ومسلم واحمد عن عمران بن حصين وصححه الألباني في صحيح الجامع (8071)
(6) صحيح مسلم (220) وأبو داود (3886)
(7) التذكرة (جـ 2 ص 82)
(8) الحلية (جـ 3 ص 139)
(9) العلل المتناهية (جـ 1 ص 262)
(10) التذكرة (جـ 2 ص 83)
(11) الآية 16 من سورة السجدة
(12) الآية 37 من سورة النور
(13) التذكرة (جـ 2 ص 83)