قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ في لطائف المعارف:
وقد دل الحديث على أن العمل في أيامه أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء.
وقال أيضًا:
إذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيره من أيام السنة كلها، صار العمل فيه وإن كان مفضولًا أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلًا، ولهذا قالوا:
"يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد"
ثم استثني جهادًا واحدًا هو أفضل الجهاد فإنه سُئل صلى الله عليه وسلم:"أي الجهاد أفضل؟، قال: من عقر جواده وأهريق دمه، وصاحبه أفضل الناس درجة عند الله"
(أخرجه أحمد وحسنه الألباني في الصحيحة:552)
وأخرج ابن حبان بسند صحيح صححه الأرنؤوط:
"أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يدعو يقول: اللهم أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين."
قال: إذن يعقر جوادك وتستشهد"."
فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر، وأما بقية أنواع الجهاد فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله عز وجل منها وكذلك سائر الأعمال.
وهذا يدل على أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره.
ثم قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ:
ما فعل في العشر في فرض فهو أفضل مما فعل في عشر غيره من فرض، فقد تضاعف صلواته المكتوبة، على صلوات عشر رمضان، وما فعل فيه من نفل أفضل مما فعل في غيره من نفل. أهـ
ولهذا كان السلف أحرص ما يكونون على اغتنام هذه الأيام.
فقد أخرج الدرامي بسند حسن عن سعيد بن جبير ـ رحمه الله ـ:
أنه كان إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادًا حتى لا يكاد يقدر عليه.
وقفة:
من المعلوم أن هذه الأيام العشر تقع في شهر ذي الحجة، وهي من الأشهر الحرم التي قال الله تعالي عنها: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} (التوبة:36)