وكان في ذلك الجمع فيما قيل ألف رجل من الصحابة منهم مائة من أهل بدر.
وذكر الوليد بن مسلم الدمشقي: أن باهان طلب خالدا ليبرز إليه فيما بين الصفين، فيجتمعا في مصلحة لهم، فقال باهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع، فهلموا إلى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاما، وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها. فقال خالد: إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك. فقال أصحاب باهان: هذا والله ما كنا نحدث به عن العرب.
ثم تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو - وهما على مجنبتي القلب - أن ينشئا القتال، فبدرا يرتجزان ودعوا إلى البراز، وتنازل الأبطال، وتجاولوا وحمي الحرب، وقامت على ساق، هذا وخالد معه كردوس من الحماة الشجعان الأبطال بين يدي الصفوف، والأبطال يتصاولون من الفريقين بين يديه، وهو ينظر ويبعث إلى كل قوم من أصحابه بما يعتمدونه من الأفاعيل، ويدبر أمر الحرب أتم تدبير.
وقسم خالد الخيل قسمين: فجعل فرقة وراء الميمنة، وفرقة وراء الميسرة لئلا يفر الناس وليكونوا ردءا لهم من ورائهم، فقال له أصحابه: افعل ما أراك الله، وامتثلوا ما أشار به خالد، رضي الله عنه، وأقبلت الروم رافعة صلبانها، ولهم أصوات مزعجة كالرعد، والقساقسة والبطارقة تحرضهم على القتال، وهم في عدد وعدد لم ير مثله. فالله المستعان وعليه التكلان، ونشبت الحرب، وثبت كل قوم على رايتهم حتى صارت الروم تدور كأنها الرحى، فلم ير يوم اليرموك أكثر قحفا ساقطا ومعصما نادرا، وكفا طائرة، من ذلك الموطن.
ثم حمل خالد بمن معه من الخيالة على الميسرة التي حملت على ميمنة المسلمين فأزالوهم إلى القلب، فقتل في حملته هذه ستة آلاف منهم، ثم قال: والذي نفسي بيده لم يبق عندهم من الصبر والجلد غير ما رأيتم، وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم، ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس معه على نحو من مائة ألف فما وصل إليهم حتى انفض جمعهم، وحمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد فانكشفوا وتبعهم المسلمون لا يمتنعون منهم.
قالوا: وبينما هم في جولة الحرب وحومة الوغى، والأبطال يتصاولون من كل جانب، إذ قدم البريد من نحو الحجاز، فدفع إلى خالد بن الوليد فقال له: ما الخبر؟ فقال له، فيما بينه وبينه: إن الصديق، رضي الله عنه، قد