الكبير، وتوقير السن أدب ارتضعناهُ مع لبان الطفولة، كانت هذه الآداب تفعل بي فعل هوى المتنبي بالمُتنبي حيث يقول:
رَمَى، واتَّقى رَمْيي، وَمِنْ دونِ ما اتَّقَى .. هوًى كاسِرٌ كَفِّي، وقَوسي، وأسْهُمي
فلذلك ظللتُ أتجرَّع الغيظ بحتًا، وأنا أُصغي إلى الدكتور"طه"في مُحاضراته، ولكني لا أستطيع أن أتكلَّم، لا أستطيع أن أناظره كِفاحًا، وجهًا لوجه، وكل ما أقوله فإنما أقوله في غيبتِه لا في مشهدِه.
تتابعت المُحاضَرات، وكل يوم يزداد وضوح هذا السطو العريان على مقالة"مرجليوث"، ويزداد في نفسي وضح الفرق بين طريقتي في الإحساس بالشعر الجاهلي، وبين هذه الطريقة التي يَسلُكها الدكتور"طه"في تزييف هذا الشعر.
وكان هذا"السطو"خاصة ممَّا يهزُّ قواعد الآداب التي نشأت عليها هزًّا عنيفًا، بدأت الهيبة مع الأيام تسقط شيئًا فشيئًا، وكدتُ ألقي حفظ الجميل ورائي غير مُبال، ولم يبقَ لتوقير السن عندي معنًى، فجاء حديث الخُضري، من حيث لا يريد أو يتوقَّع، ليَنسف في نفسي كل ما التزمت به من هذه الآداب.
وعجبَ الخضري يومئذ؛ لأني استمعتُ لحديثه، ولم ألقَه لا بالبشاشة ولا بالحفاوة التي يتوقعها، وبقيتُ ساكتًا، وانصرفتُ معه إلى حديث غيره.
وفي اليوم التالي جاءت اللحظة الفاصلة في حياتي، فبعد المحاضرة، طلبت من الدكتور"طه"أن يأذنَ لي في الحديث، فأَذِن لي مبتهجًا، أو هكذا ظننتُ.
وبدأت حديثي عن هذا الأسلوب الذي سماه"منهجًا"، وعن تطبيقه لهذا"المنهج"في مُحاضراته، وعن هذا"الشك"الذي اصطنعه، ما هو، وكيف هو؟ وبدأتُ أدلِّل على أن الذي يقوله عن"المنهج"وعن"الشك"غامض، وأنه مُخالف لما يقوله"ديكارت"، وأن تطبيق منهجه هذا قائم على التسليم تسليمًا لم يُداخله الشك، بروايات في الكتب هي في ذاتها محفوفة بالشك! وفوجئ طلبة قسم اللغة العربية، وفوجئ الخضيري خاصة، ولما كدتُ أفرغ من كلامي، انتهرَني الدكتور"طه"، وأسكتني، وقام