الصفحة 26 من 43

تقدّم أن نشأة الإحصاء اللغوي تعود إلى الصدر الأول من الأعلام الذين عُنوا بالقرآن الكريم فأحصوا حروفه وكلماته وآياته وسوره مستعينين بما رأوه مناسبًا في ضبط حسابهم آنذاك، وانتهوا إلى نتائج مهمّة، يقدمها معرفةُ دوران الحروف ومراتبها. أمّا ما عُني به أصحابُ المعاجم العربية قديمًا من حساب مَبْلَغ ما يرتفع من أبنية كلام العرب: الثنائية والثلاثية والرباعية والخماسية، مهملها ومستعملها، وصحيحها ومعتلها، ومضاعفها = فذلك مبسوط في مقدّمات كثير من المعاجم وغيرها [1] بيد أنه، على أهميته، لا يندرج فيما نحن بصدده من تتبُّع إحصاء الحروف في نصوص مكتوبة.

إنّ إحصاء دوران الحروف (تواترها) في نصوص مكتوبة، ومعرفة مراتبها ظهر جليًّا لدى أعلام التعمية، لأهمية ذلك في استخراج المعمى إمّا طال النص. وقد تظاهرت الأدلّة على أنّ أول إحصاء من هذا النوع في تاريخ الدراسات اللغوية (الكمّيّة اللسانية) كان إحصاءَ أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الفيلسوف الكِنْدي (ت 260 هـ) في رسالته القيّمة (رسالة في استخراج الْمُعَمَّى) التي تُعَدُّ أقدم مُدَوّنة في تاريخ حضارات العالم، اشتملت على أصول التعمية واستخراجها ومنهجياتها. فقد تحدّث في صدرها عن مراتب الحروف في الاستعمال، وضرورة معرفتها لاستنباط الْمُعَمَّى، وأنها تختلف من لسان لآخر، ثم ذكر مراتبها وفق إحصائية قام بها. قال: «فإذ قد أنبأنا عن ذلك، فلنذكر الآن مراتبَ الحروف في الكثرة والقِلّة في اللسان العربي. فنقول:

إنّ الألف أكثر ما استعمل في اللسان العربي من الحروف. ثم ل، ثم م، ثم هـ، ثم و، ثم ي، ثم ن، ثم ر، ثم ع، ثم ف، ثم ت، ثم ب، ثم ك، جميعًا فإنهما سواء، ثم د، ثم س، ثم ق، ثم ح، ثم ج، ثم ذ، ثم ص، ثم ش، ثم ض، ثم خ، ثم ث، ثم ز، ثم ط، والغين سواء، ثم ظ.

فإذا أصبنا في سبع ورقات من العربي:

600 ألِفًا، 437 لامًا، 320 ميمًا، 273 هاء، 262 واوًا، 252 ياءً، 222 نونًا، 155 راء، 131 عينًا، 122 فاء، 120 تاء، 112 باء، 112 كافًا، 92 دالًا، 91 سينًا، 63 قافًا، 57 حاء، 46 جيمًا، 35 ذالًا، 32 صادًا، 20 خاء، 17 ثاء، 15 طاء، 15 غينًا، وثماني ظاءات» [2] .

(1) انظر مثلًا: معجم العين 1/ 53 وما بعدها، وجمهرة اللغة 3/ 513، والمزهر 1/ 73 - 76، ورسالة الاشتقاق لأبي بكر بن السراج ص 42 - 43، والخصائص 1/ 55، وأطروحة (المعجم العربي دراسة إحصائية لدوران الحروف في الجذور العربية) ص 36 - 47 لكاتب البحث. وثمَّة إحصائية للأفعال العربية بالمشاركة (أ. مروان البواب، ود. محمد مراياتي، ود. يحيى ميرعلم، و د. محمد حسان الطيان) صدرت في مكتبة المعاجم بلبنان 1996. وكذلك هناك ثلاث دراسات إحصائية للجذور في المعاجم: الصحاح، ولسان العرب، وتاج العروس، للدكتور علي حلمي موسى، والثالث منها بالاشتراك مع د. عبد الصبور شاهين، صدرت ضمن منشورات جامعة الكويت.

(2) رسالة الكندي في كتابنا (علم التعمية واستخراج المعمى) 1/ 235 - 241.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت