الصفحة 23 من 25

صلى الله عليه وسلم لا ينافي جواز التأسي به [1] لأن الله تعالى يقول (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب: 21) ولكن الأسوة مقيدة بعرف الناس فيما يقيد بأعرافهم، وإلا لخرجت الفهوم عن نطاق المشروع، وليأتينَّ من السفهاء من يرى أن السكن في الخيم وركوب النوق خير من المباني والسيارات لأنه من الأسوة به عليه الصلاة والسلام، وهذا مخالف تماما لمقصد الشريعة في إباحة الشيء لبني البشر بشرط عدم ورود المحظور، وإلا لفسدت مصالح الناس في دينهم ودنياهم.

فخلاصة القول إن عقد العقائص أو الضفائر على من يرى أن الحديث يحتج به، أمر جائز على سبيل التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن إن كان عرف الناس عدم فعل هذا أو اعتباره من فعل السفلة وضُيَّاع المروءة فهذا أمر قبيح لزم اجتنابه لزوما شرعيا وعرفيا.

لقد حفظ الله البشرية جمعاء بالإسلام، فلا سبيل إلى سعادتهم إلا بإتباعه، ولو أن العقول اجتمعت واتحدت على أن تأتي بشيء في الدين قد أخلّ بشيء من شؤون الناس دينية أو أخلاقية أو اقتصادية أو سياسية أوثقافية أو أي شيء من شؤونهم، لم تستطع إلى ذلك سبيلا، إذ الوحي قد أتى بدرء المفاسد وصيانة الضروريات، فحفظ لهم الدين والعقل والمال والنفس والعرض والنسب، وحقق لهم مطالبهم وحاجاتهم بجلب المصالح، وحثهم على التحلي بمكارم الأخلاق التي جرت عليها محاسن العادات، فكملت بذلك حياتهم وحَسُنت ظروفهم.

"ولقد بين الشاطبي رحمه الله تعالى أوصاف الشريعة وقسمها إلى صنوف ثلاثة وهي:"

الأول: كونها عامة بحيث لا يتصور للإنسان حركة ولا سكون إلا والشريعة قد شملته.

الثاني: الثبوت من غير زوال"فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخا ولا تخصيصا لعمومها، ولا تقييدا لإطلاقها، ولا رفعا لحكم من أحكامها لا بحسب عموم المكلفين ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان، ولا حال دون حال، ما أُثبت سببا فهو"

(1) الشاطبي في الموافقات (5/ 260، 261) :"التأسي: إيقاع الفعل على الوجه الذي فعله (عليه الصلاة والسلام) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت