2 -أن يعرف المسلم طبيعة الحياة
فإن الحياة الدنيا لم يجعلها الله دار جزاء وقرار بل جعلها دار تمحيص وامتحان، والفترة التي يقضيها المرء بها فترة تجارب متصلة الحلقات يخرج من امتحان ليدخل في امتحان آخر، قد يغاير الأول مغايرة تامة، أي أن الإنسان قد يمتحن بالشيء وضده، مثلما يصهر الحديد في النار ثم يرمى في الماء. وهكذا.
وكان سليمان عالمًا بطبيعة الدنيا عندما رزق التمكين الهائل فيها فقال:
"هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم" [النمل:40] .
والابتلاء بالأحزان مبهم الأسباب! ويحسن أن نفهم أن أوضاع الناس في الحياة كجيش عبئ للقتال، وقد تكلفُ بعض فرقه بالقتال حتى الموت، لإنقاذ فرقة أخرى، وإنقاذ الفرق الباقية يكون للقذف بها في معارك أخرى، ترسمها القيادة حسبما توحي به المصلحة الكبرى، فتقدير فرد ما في هذه الغمار المائجة لا ينظر إليه، لأن الأمر أوسع مدى من أن يرتبط بكيان فرد معين.
كذلك قد يكتب القدر على البعض صنوفًا من الابتلاء ربما انتهت بمصارعهم، وليس أمام الفرد إلا أن يستقبل البلاء الوافد بالصبر والتسليم، وما دامت الحياة امتحانًا فلنكرس جهودنا للنجاح فيه.
وامتحان الحياة ليس كلامًا يكتب أو أقوالًا توجه، إنها الآلام التي تقتحم النفس وتفتح إليها طريقًا من الرعب والحرج، إنها النقائص التي تجعل الدنيا تتخم بطون الكلاب، وتنيم صديقين على الطوى، إنها المظالم التي تجعل قومًا يدعون الألوهية، وآخرين يستشهدون وهم يدافعون عن حقوقهم المنهوبة.
إن تاريخ الحياة من بدء الخلق إلى اليوم مؤسف! ومن الحق أن يشق المرء طريقه في الحياة وهو موقن بأنه غاص بالأشواك والأقذاء. [1]
3 -أن ينظر المسلم إلى الأسباب لا إلى النتائج
(1) - خلق المسلم ش/ محمد الغزالي.