-من الآية 25 إلى الآية 35: {قَالَ} موسى: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} أي وسِّع لي صدري لتحَمُّل أعباء الرسالة {وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي} أي سَهِّل مُهمتي عليَّ، وأعِنِّي على أدائها كما تحب وتَرضى، {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي} : يعني وأطلِق لساني بفصيح الكلام حتى {يَفْقَهُوا قَوْلِي} أي ليفهموا كلامي، (وقد قال عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما: كانَ في لسانه عُقدة - يعني صعوبة في النطق - تمنعه من كثير من الكلام) ، {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا} أي مُعينًا {مِنْ أَهْلِي} وهو {هَارُونَ أَخِي} {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} : أي شُدَّ به ظهري (والمعنى: قَوِّني به) {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} : يعني أشرِكه معي في النُبُوَّة وتبليغ الرسالة (والمعنى: اجعل هارون رسولًا كما جعلتني) ، واجعله عَونًا لي على طاعتك والدعوةِ إليك {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا} أي لنُنَزِّهك ونَنفي عنك كل ما لا يَليق بك {وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} (في سِرِّنا، وأثناء دعوة الناس إلى توحيدك، وتعريفهم بصفاتك، وإبلاغهم بأمرك ونهيك، وتذكيرهم بنعمك) ، (وفي هذا دليل على فضل التسبيح والذكر، إذ لولا عِلْم موسى بحب اللهِ لهما، لَمَا توَسَّلَ بهما لقضاء حاجته) ، {إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا} لا يَخفى عليك شيءٌ مِن حالنا، (وهذا توسُّل من موسى إلى اللهِ تعالى بعلمه ليَقبل دعائه) .
-من الآية 36 إلى الآية 44: {قَالَ} اللهُ تعالى: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} : أي قد أعطيناك كل ما طلبتَ يا موسى، {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى} أي: ولقد أنعمنا عليك نعمةً أخرى حين كنتَ رضيعًا - وكان فرعون يَذبح أبناء بني إسرائيل الذكور - {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى} أي حين ألهَمْنا أمَّك هذا الإلهام: {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ} : أي ضعي ابنك موسى بعد ولادته في صندوق {فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ} : أي ثم ضعيه في النيل، {فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ} أي: فأمَرَ اللهُ النيل أن يُلقي الصندوق على شاطئ قصر فرعون.
? ثم وَضَّحَ سبحانه الحكمة من هذا الأمر فقال: {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ} وهو فرعون، حيث تربيتَ يا موسى في بيته، فنجَّيتُك بذلك من القتل، {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} ليُحبك الناس - وخاصةً امرأة فرعون التي مَنَعتْ فرعون وجنوده مِن قتلك - {وَلِتُصْنَعَ} يعني: ولِتُرَبَّى في بيت فرعون {عَلَى عَيْنِي} أي تحت بَصَرِي وتحت رعايتي، (وفي الآية إثبات صفة العين لله تعالى كما يليق بجلاله وكماله) .
? وأنعمنا عليك مرةً أخرى {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ} أي حينَ كانت تمشي أختك تتبعك وأنت في الصندوق {فَتَقُولُ} لمن أخذوك: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ} أي يُرضِعه لكم ويَرعاه؟ {فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ} بعد ما صِرتَ في أيدي فرعون {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} : أي حتى تفرح بنجاتك من الغرق والقتل {وَلَا تَحْزَنَ} على فراقك.
{وَقَتَلْتَ نَفْسًا} : أي واذكر حين قتلتَ الرجل المصري خطأً {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ} وهو غَمّ فِعْلك (حينَ استغفرتَنا فغفرنا لك) ، وغَمّ خوفك مِن أن تُقتَل (حين تآمَروا ضدك ليقتلوك فنَجَّيناك منهم) ، {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} : أي وبذلك ابتليناك ابتلاءً شديدًا، فخرجتَ خائفًا إلى أهل"مَدْيَن" {فَلَبِثْتَ} أي فمَكَثتَ {سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} تَرعى غنم الرجل الصالح عشر سنين، {ثُمَّ جِئْتَ} - مِن"مَدْيَن"إلى جبل الطور بسيناء - {عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} أي في الموعد الذي قدَّرناه لإرسالك إلى فرعون، {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} : يعني وقد أنعمتُ عليك هذه النعم، وابتليتك هذه الابتلاءات اختيارًا مِنِّي لك، لتكون قادرًا على تحَمُّل تبليغ رسالتي، والقيام بأمري ونهيي.