الصفحة 18 من 31

وهذا الْكِفْل كذلك، إنه لمن العاقلين، سمع قول الفتاة، فعقله. قال شيخ الإسلام - رحمه الله:"فلا يسمى {عاقلا} إلا من عرف الخير فطلبه، والشر فتركه"؛ ولهذا قال أصحاب النار: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [1] " [2] ."

إنه قد ترك وَطْءَ مَنْ شغفتْه حبًّا، رغم قدرته عليها، وتمكُّنِهِ منها، في لحظة من السر ينسى المرء فيها نفسه، وينسى الخليل خليله، لحظة عصيبة؛ حيث أسدل الستار، وغُلِّقَتِ الأبواب، وتوفرت سبل الولوج، فالتراجع فيها ليس هينا إلا على نفس استحضرت أضواء الآخرة، يوم تبلى السرائر، فانطفأت جذوة الشهوة، وخمد أوارها، وحل محلها قبسٌ من نور الله، فانحسر مِئْزَرُ الْكِفْل عن إتمام ما تمنَّى؛ لأنه أحرى أن يخاف ربه، وأجدر؛ فرزقه ربه المغفرة ودخول الجنة؛ حيث الحورُ العين والنعيم المقيم.

فاللهم يا عالم السر منا، لا تكشف الستر عنا، واسترنا حيث كنا!

إن مما يُسْتَفَادُ مما قد سلف أن الخبيئة سبيل حسن الخاتمة؛ إذ إن صاحب الخبيئة الصالحة تجد له خاتمةً حسنة تؤثر في كل من يعلم بها، وتجد له أثرا قويا على من بعده، حتى وإن طالت سنوات موته، يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم"إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ" [3] .

ذكر الحافظ عبد الحق الإشبيلي أَن رجلًا من المنهمكين فِي الْفساد مَاتَ فِي نواحي الْبَصْرَة، فَلم تَجِد امْرَأَته من يعينها على حمل جنَازَتِه؛ إِذْ لم يدر بهَا أحدٌ من جِيرَانه؛ لِكَثْرَة فسقه، وتَحامِي النَّاس لَهُ. فاستأجرت امْرَأَتُه حمَّالِين يحملونه إِلَى الْمصلى، فَمَا صلى عَلَيْهِ أحدٌ! فَحَمَلُوهُ إِلَى الصَّحرَاء؛ ليدفنوه بهَا، وَكَانَ بِالْقربِ من الْموضع جبلٌ فِيهِ رجل من الزهاد الْكِبَار، فَنزل ذَلِك الزَّاهِد للصَّلاة عَلَيْهِ؛ فانتشر الْخَبَرُ فِي الْبَلَد، وَقَالُوا: نزل فلان ليُصَلِّي على فلان؛ فَخرج النَّاس، فصلوا عَلَيْهِ مَعَ الزَّاهِد، وَجعلُوا يتعجبون من صلاته عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُم: إِنِّي قيل لي فِي الْمَنَام: {انْزِلْ إِلَى الْموضع الْفُلانِيّ ترى فِيهِ جَنَازَةَ رجلٍ لَيْسَ مَعهَا أحدٌ إِلَاَّ امْرَأَتُه، فصلِّ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ مغْفُور لَهُ} ؛ فَزَاد تعجبُ النَّاس، فاستدعى الزَّاهِد زَوجتَه، فَسَأَلَهَا عَن ذَلِك، وَكَيف كَانَت سيرته؟ فَقَالَت: كَانَ كَمَا سَمِعت؛ كَانَ طول النَّهَار فِي الماخور مشتغلًا بِشرب الْخمر، فَقَالَ: انظري، هَل تعرفين لَهُ شَيْئا من أَفعَال الْخَيْر؟ قَالَت: لا وَالله، إِلاَّ

(1) سورة الْمُلْك، جزء من الآية {10} .

(2) مجموع الفتاوى، ج 7/ص 24.

(3) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب القدر، باب في القدر، (6221) * ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه (4781) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت