كيف نستطيع أن نفهم مقصود النبي- صلى الله عليه وسلم! - من غير غلو ولا تقصير؟ هذا لا يتم إلا حسب المهارات المنهجية، وليس حسب التمني والتشهي.
في الحديث قال- صلى الله عليه وسلم!:"يحملْ هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغاليين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" [1] .
إذن لا بد من عدول يقومون بهذه المهارات، ولا تترك السنة بيدي الغالين الجاهلين المبطلين، وهذا الأثر يرشدنا إلى ضرورة السعي إلى المهارات المنهجية؛ لنكون قادرين على حفظ الدين، وحماية نصوصه من الانتحال والتحريف والتأويل الباطل من أي مصدر كان، سواء ذلك تعمدا أم غفلة.
فلا بد من تأسيس منهج صحيح لتحليل النصوص، وأول من أسس هذا المنهج الإمام الشافعي - رحمه الله! - في كتابه الرسالة، وقد أشار إلى ذلك بأسلوب حديث؛ ليساعد على تطبيقه بإنصاف، بعيدا عن مظاهر الغرور، وبعيدا عن آثار انتمائه المذهبي، أو الانتماءات الشخصية، وبعيدا عن تقديس الأشخاص والتعصب لهم.
والأصل أنه إذا فهم البعض خلاف ما فهمه الآخر من النص واقتنع بصوابه فله ذلك، ولكن على منهج السلف الصالح، وعدم الغضب والغرور، وكلٌ يُؤخذ برأيه ويُرد إلا صاحب هذا القبر -صلى الله عليه وسلم! - كما قال الإمام مالك -رحمه الله!.
هذا، والناظر في مصادر التشريع من القرآن والسنة يرى أنها ترشدنا إلى ضرورة العناية بالقضايا المنهجية الدقيقة في التعامل مع النصوص، والأساليب الراقية في التعامل مع الآخرين في جميع ما يصدر عنهم من مواقف قولية أو فعلية، وهذا أولى بأصحاب العلم الشرعي والباحثين والشارحين والمحللين الشرعيين. ففي الحديث أن الرسول- صلى الله عليه وسلم! - قال:"مثلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس؛ فشربوا، وسقوا، وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما"
(1) رواه البزار، كشف الأستار، ج 1،ص 86 * وابن عبد البر، التمهيد، ج 1، ص 59 *والبيهقي، السنن الكبرى، كتاب الشهادات، باب الرجل من أهل الفقه يسأل عن الرجل من أهل الحديث (20310) ، وقال ابن القيم للحديث طرق عديدة ولكنها لا تخلو من الكلام.