الصفحة 19 من 23

وأخذ الخلاف أشكالًا عديدة، حتى وقعت الفتن، وتظهرُ وسطية أهل السُّنَّة فيها مقارنة مع غيرهم بأنهم يؤمنون بأن لله أسماءً وصفاتٍ، وصَف الله بها نفسه، آمَن بها السلف كما وردت من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، وهذه الوسطية حاد عنها أصحابُ الأهواء؛ بسبب تركهم الكتاب والسُّنَّة، وتقديمهم لأفكار الملاحدة.

فأهلُ التعطيل نفَوْا عن اللهِ صفاتِه وأسماءَه تحت حُجَّة تنزيهِ الله عن التشبيه.

ومذهب الجهميَّةِ كان أصرحَ من مذهب المعتزلة الذين أثبتوا أسماء الله ولكنهم نفَوْا صفاتِه، وهذا الموقف الباطل يلحقهم بالجهمية؛ إذ إن النتيجةَ واحدة، وهي نفيُ صفات الله ومدلولاتها.

أما الأشاعرة، فقد تناقض موقفُهم؛ حيث أثبتوا الأسماءَ وبعضَ الصفات، ثم أوَّلُوا أو نفَوْا بعضها الآخر، أو أرجعوها إلى الإرادة والمشيئة لا غير، ومعلوم أن ما نفَوْه عن الله تعالى يعتبر تعطيلًا، ويلزمهم أن يقولوا فيما نفَوْه مِثلَ قولهم فيما أثبتوه، وإلا كان إثباتُهم ونفيُهم تحكُّمًا بلا دليل صحيح، ومن هنا كان هؤلاء محلَّ نقمةِ جميع الفِرَق عليهم؛ أهل السُّنَّة، والمعتزلة، والجهمية.

وإذا كان مَن تقدم ذِكرهم عطَّلوا الله تعالى عما يستحقُّه من معاني الأسماء الحسنى والصفات العليا، فقد قابَلهم فريق آخر من أصحابِ الأهواء، وهم المشبِّهة، ومذهبهم أن الله - عزَّ وجلَّ - في صفاته وأسمائه مثلُ الإنسان تمامًا، فوصفوا الله - عزَّ وجلَّ - بأوصافٍ يتنزَّهُ عنها جل وعلا، افترَوْا فيها على الله تعالى، وطرَقوا بابًا حجَبَه اللهُ عن الخَلْق، وكل تلك الآراء مجانبة للحق، بعيدة عن الصواب؛ لأنها قامت على غيرِ أساس ثابت؛ بسبب إعراضِهم عن الحقِّ الذي هدى الله إليه السلفَ، وبسبب تشبُّعِهم بعلم الكلام والفلسفة والمنطق، وظنهم أنهم على شيء، وأنهم أوتوا علمًا غزيرًا.

فأهل السُّنَّةِ أثبتوا الأسماء والصفات دون أن ينساقوا إلى التشبيه، بل لم يخطُرْ في أذهانهم أن إثباتَ الأسماء والصفات يستلزم المشابَهةَ والمماثَلةَ؛ لمعرفتهم أن الاتفاقَ في التسميات لا يلزَمُ منه الاتفاقَ في الذات، كما أنهم لم يُعطِّلوا اللهَ تعالى عن دلائلِ أسمائه وصفاته التي وصَف بها نفسَه، بل أثبتوا من الأسماء والصفات ودلائلِها ما يليقُ به تعالى، وهو المسلك الحقُّ الذي يجب اتباعُه، ونبذُ ما عليه المعطِّلة والمشبِّهة، أهلُ الإفراط والتفريط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت