كيف لا وقد مدحهم اللهُ في كتابه، ومدَح من تبعهم فقال: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100] ؟
وتلك الحقيقةُ يَعيها كلُّ مسلم، إلا مَن فسدت فطرتُه، وانحرَف واتبع هواه؛ كالرافضة الذين ذهبوا يسبُّونهم ويكفِّرونهم، خلافًا لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10] .
وقوف السلف عند حدود النص:
أما بالنسبةِ لوقوف السلف عند حدود النص وعدم الخوض فيما لا مجالَ للعقل فيه، فهذا دليلٌ من أقوى الأدلةِ على عُمق فهمهم، وقوة ذكائهم، وحِرصهم على ما ينفعهم في دِينهم، وبه يظهر صدق متابعتهم للرسول عليه السلام، وقد علموا أن العقلَ من أكبرِ نعم الله على عباده، وأن الله جعَله عونًا لصاحبه، ولكنهم مع هذا علِموا أن للعقل حدًّا ينتهي إليه، فإذا تجاوَزه انقلب إلى الجهل والحُمق، ويدخل في تكلُّف بالأمور التي لا سبيل لمعرفتها إلا عن طريق النص، وهذا ما ينفِرون منه أشدَّ نفور؛ لأنه يجر إلى إحداث البدع والخرافات، كما هو الحال عند عبَّاد العقول.
* أما عن إعراض السلف عن أهل البدع، فصار معلومًا عند أهل السُّنَّة؛ فهم يحذِّرون من مجالسة أهل البدع والاستماع إليهم؛ لعِلمهم أن أصحابَ البِدَع يُلقون شُبَههم يضللون بها العامة؛ قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إياكم ومحدَثاتِ الأمور؛ فإن كلَّ بدعة ضلالةٌ ) )؛ أبو داود.
وقال ابن مسعود:"وستجدون أقوامًا يزعمون أنهم يَدْعون إلى كتاب الله وقد نبَذوه وراء ظهورهم، عليكم بالعِلم، وإياكم والبِدَع والتنطُّعَ والتعمُّقَ، وعليكم بالعتيقِ".
وعن عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - أنه قال:"إذا رأيتَ قومًا يتناجَون في دِينهم بشيء دون العامة، فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة".
وقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( أن مَن وقع في الشبهاتِ، فقد وقَع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمى يوشِكُ أن يقَعَ فيه ) )؛ البخاري ومسلم.