الصفحة 4 من 22

فمنهم من يوجب في هذه النصوص التأويل وذلك بصرفها عن ظاهرها إلى معاني محتملة مرجوحة، ومعاني بعيدة بغير حجة يجب المصير إليها، وسبيلهم في هذا سبيل الجهمية والمعتزلة فيجمعون بين التحريف والتعطيل والحكم على النصوص بأن ظاهرها هو التمثيل الباطل، ومنهم من يوجب في هذه النصوص التفويض وحقيقته أن هذه النصوص لا تدل على معنى مفهوم فلا يفهمها أحد لا الرسول ولا الصحابة فضلًا عن غيرهم، ولازم هذا المعنى بل حقيقته أن نصوص هذه الصفات ليس فيها بيان للناس، ولا هدى ولا شفاء ولا تكون من أحسن الحديث، فإن ما لا معنى له، وما لا يفهمه أحد لا يحصل به شيء من ذلك، وليس أهل التفويض من الأشاعرة وغيرهم بأقل ضلالًا وانحرافًا من أهل التأويل، فإنهم يشتركون في ما نفوا من الصفات، فيشتركون في التعطيل، ويشتركون كذلك في أن هذه النصوص لا يجوز اعتقاد ظاهرها، فظاهرها غير مراد عندهم، ولا ريب أن من كان يعتقد أن ظاهرها التشبيه فإنه لا يجوز أن يكون هذا الظاهر مرادًا، ولكن أهل السنة يأبون ذلك، فالله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون ظاهر كلامه هو تمثيله بخلقه، فإنه تعالى لم يخبر بما أخبر به من أسمائه وصفاته إلاّ مع تنزيهه عن مماثلة خلقه كما في قوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ، فأثبت لنفسه السمع والبصر ونفى أن يماثله شيء من خلقه، ومعاني أسمائه سبحانه وصفاته معلومة للمخاطبين فإن الله أنزل هذا القرآن بلسان عربي مبين، وبهذه النصوص المفهومة عرف المؤمنون ربهم بأنه ذو سمع حقيقة وسع الأصوات، وذو بصر حقيقة فلا يغيب عنه شيء، وذو حياة حقيقة فلا تأخذه سنة ولا نوم، وهو الحي الذي لا يموت، وهو ذو قدرة تامة فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وذو علم محيط بكل شيء فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو تعالى منزه عن أضداد هذه الصفات من الصمم والعمى والموت والعجز، وكما أنه سبحانه موصوف بهذه الصفات بمعانيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت