الصفحة 3 من 33

الحمدُ لله وحدَه، والصَّلاة والسَّلام على مَن لا نبيَّ بعدَه، وبعد:

فإنَّ العقيدةَ هي القوة الدافعة في حياة الأمم والأفراد، ولقد كان للاعتقادِ الصحيحِ عند المسلمين الأثرُ الواضح في سلوكهم؛ حيث سَمعوا القرآن يُتلى وفيه قصص الأمم السابقة، وأيقنوا أنَّ اللهَ هو الذي سلب النار إحراقها عندما أُلْقِيَ فيها إبراهيم، فكانت عليه بردًا وسلامًا، وهو الذي سلب ماءَ البحر إغراقه عندما ضربه موسى بعصاه، وهو الذي طوى الأبعادَ لمحمد - صلى الله عليه وسلم - طيًّا في إسرائه ومعراجه، وهو الذي جعل العجوز العقيمَ تلد بعد أن صار بعلها شيخًا كبيرًا، وهو الذي أرقد أهلَ الكهف في نومهم ثلاثَمائة سنين وازدادوا تسعًا، وهو الذي رفع المسيحَ من بين أيدي أعدائه، وشبه لهم غيره، وهو الذي سلَّط القمل والضَّفادع والدم على آل فرعون، وهو الذي سَلَّط الريح على ثَمود، وهو الذي أرسل الطير الأبابيل على أصحاب الفيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصفٍ مأكول.

ولقد بعث الإيمانُ بالآخرة في قلوب المسلمين شجاعةً خارقةً للعادة، وحنينًا غريبًا إلى الجنة، واستهانة نادرة بالحياة، تَمثلوا الآخرة، فتجلَّت لهم الجنة بنَعمائها كأنَّهم يرونها رَأْيَ العين، فطاروا إليها وتجلت لهم النار بأهوالها كأنَّهم يرونها رأي العين، فهربوا منها فرارًا إلى الله يطلبون النجاة بالمسارعة في طاعته وامتثال أمره.

وها هي حياة الصَّحابة الأجلاء ومَن بعدهم خيرُ شاهد على ذلك.

عن أنس - رضي الله عنه - قال: بلغ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن أصحابه شيءٌ، فخطب فقال: (( عُرِضَتْ عليَّ الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر، ولو علمتم ما أعلم، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، فما أتى على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومٌ أشد منه غَطَّوا رُؤوسهم ولهم خَنين ) (متفق عليه) .

وعنه - رضي الله عنه - قال:"كان أبو طلحة أكثرَ الأنصار بالمدينة مالًا من نَخل، وكان أحبُّ أمواله إليه بَيْرُحاءَ، وكانت مُستقبلة المسجد، وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلُها ويشربُ من ماء فيها طَيِّب؛ قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: {لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] ، قام أبو طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إنَّ الله - تبارك وتعالى - يقول: {لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ، وإن أحبَّ أموالي إلَيَّ بَيْرُحَاءُ، وإنَّها صدقة لله أرجو برَّها وذُخْرَها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت