وما يَجده المسلمُ في قلبه مِن مَحبته والشوق إليه والأنس وذِكر أحواله، فهو مشروعٌ له في كلِّ مكان، وليس في مُجرد زيارةِ ظاهرِ الحُجرة ما يُوجب عِبادةً لا تُفعل من دون ذلك، بل نَهى عن أن يتخذَ ذلك المكان عيدًا، وأمر أن يُصلَّى عليه حيث كان العبد ويسلَّمَ عليه، فلا يخصُّ بيته وقبره بصلاة عليه ولا تسليم، فكيف بما ليس كذلك؟
ثم قال:"وأمَّا ما شرعه لهم من الصلاة والسلام عليه في كلِّ مكان، وأن لا يتَّخذوا بيته عيدًا ولا مسجدًا، ومَنعهم من أن يدخلوا إليه، ويَزوروه كما تُزارُ القبور، فهذا يُوجِب كمالَ توحيدهم للرب - تبارك وتعالى - وكمال إيمانهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ومَحبته وتعظيمه حيث كانوا، واهتمامهم بما أمروا به من طاعته، فإنَّ طاعته هي مدارُ السعادة، وهي الفارقة بين أولياء الله وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار، فأهلُ طاعته هم أولياءُ الله المتقون، وجنده المفلحون، وحِزبه الغالبون، وأهل مُخالفته ومَعصيته بخلافِ ذلك، والذين يقصدون الحج إلى قبره وقبر غيره، ويدعونهم ويتَّخذونهم أندادًا من أهل مَعصيته ومخالفته، لا من أهل طاعته وموافقته، فهم في هذا الفعل من جنس أعدائه، لا من جنس أوليائه، وإنْ ظنُّوا أن هذا من موالاته ومَحبته، كما يظن النصارى أنَّ ما هم عليه من الغلوِّ في المسيح والتبرك به من جنس محبته وموالاته، وإنَّما هو من جنس معاداتِهم، ولهذا يتبرَّؤون منهم يومَ القيامة."
وكذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتبرأ ممن عصاه، وإن كان قصده تعظيمه والغلو فيه؛ قال - تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 214 - 216] .
فقد أمر الله المؤمنين أن يتبرؤوا من كل معبود غير الله، ومن كل من عبده؛ قال - تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] .
ثم قال: ولهذا تجد العاكفين على قبور الأنبياء والصَّالحين مِن أبعد الناس عن سيرتهم ومتابعتهم، وإنَّما قصد جمهورهم للتآكل والترأُّس بهم، فيذكرون فضائلَهم؛ ليحصل لهم بذلك رئاسة أو مأكلة، لا ليزدادوا لهم حبًّا وخيرًا؛ (انتهى بتصرف) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في"اقتضاء الصراط المستقيم" (ص 644) :